أنا لا أكتب اليوم دفاعاً عن فتح أمام خصومها، بل أكتب دفاعاً عن فلسطين داخل فتح.
أكتب كفتحاوي آمن بها قبل أن تصبح سلطة، وانتمى إليها حين كان اسمها تهمةً في وجه الاحتلال، لا امتيازاً في وجه الناس.
ولهذا بالذات لن أجامل.
فالذي يحب فتح ولا يقول لها الحقيقة، لا يحميها… بل يشارك في إضعافها.
انتهى المؤتمر الثامن، وانتهت الانتخابات، وأُعلنت النتائج منذ اشهر، لكن الصندوق لم يغلق الأسئلة في حينه، بل فتح السؤال الأكبر:
هل خرجت فتح من مؤتمرها أقوى، أم خرجت بقيادة “جديدة” لإدارة المشاكل القديمة؟
هنا يجب أن نتوقف.
لا قداسة في التنظيم أمام مصلحة فلسطين، ولا أحد مهما كان اسمه أو تاريخه أو موقعه، أكبر من السؤال.
فتح لا تتراجع لأن خصومها أقوياء فقط، فتح تتراجع أيضاً عندما تصبح أقل قوة من تاريخها.
نعم، الاحتلال مسؤول. ونعم، حماس ومشروعها العميل والظروف الإقليمية والدولية، كلها عوامل ثقيلة.
لكن لا يجوز أن نستخدم كل ذلك ستاراً للهروب من أخطائنا نحن.
لماذا ابتعدت الحركة عن جزء كبير من جمهورها؟
لماذا يشعر معظم كوادرها أن الطريق إلى الموقع يمر دائما من أبواب العلاقات “الرخيصة” أكثر مما يمر من أبواب الكفاءة؟
لماذا يصبح النقد تهمة، والاختلاف شبهة، والصمت فضيلة؟
هذه ليست أسئلة خصوم. هذه أسئلة إنقاذ.
والفتنة ليست أن نتكلم عن المرض، الفتنة أن نترك المرض حتى يصبح مستعصياً.
لذلك يجب أن نقولها بلا خوف:
التصحيح يبدأ من أعلى الهرم.
فالقيادة ليست حصانة من النقد، بل أول موقع يجب أن يتحمل المسؤولية.
لا يجوز أن يتحول التاريخ إلى حصانة، والموقع إلى إقامة دائمة، والولاء إلى صمت.
فتح ليست ملكاً لأحد.
ليست ملكاً للجنة المركزية، ولا للمجلس الثوري، ولا للأقاليم، ولا لجيل دون جيل.
فتح أكبر من الجميع. وفلسطين أكبر من فتح نفسها.
نحن لا نريد تصفية الحساب مع الأشخاص، نريد تصفية الحساب مع الأسباب التي صنعت التراجع.
من أخطأ يُحاسب.
من نجح يُكرّم.
من استحق يُقدّم.
ومن عجز يفسح المجال.
هكذا تُبنى الحركات.
ونريد من القيادة “الجديدة” أن تفهم أن المؤتمر الثامن لم يكن نهاية الطريق، بل بداية الامتحان الحقيقي.
لا تنتظروا المؤتمر التاسع.
انزلوا إلى التنظيم.
اسمعوا للكادر الذي لا يملك واسطة.
“بدون تهكم وبدون بزبط وبزبطش”
اسمعوا لمن يختلف معكم ولا يغادر.
افتحوا الباب أمام الشباب.
أعيدوا الاعتبار للكفاءة.
واجعلوا الإنجاز هو الواسطة الوحيدة.
لا نريد فتحاً تخاف من النقد، نريد فتحاً تخاف من الفشل.
لا نريد قيادةً يصفق لها الجميع، نريد قيادةً تستطيع أن تسمع لمن يقول لها: أخطأتم.
ولا نريد أن نغيّر الأسماء ونبقي العقلية نفسها.
ذلك ليس إصلاحاً… ذلك تدوير للأزمة.
فتح لا تحتاج إلى مزيد من البيانات والتصفيق. ولا تحليل شو بزبط وشو بزبطش.
تحتاج إلى الحقيقة.
الحقيقة كاملة، حتى عندما تؤلم، وحتى عندما تصل إلى أعلى الهرم.
لأن فلسطين أكبر من غضب أي شخص، وفتح أكبر من أي اسم، وتاريخها أكبر من أي منصب.
ولهذا أقولها من داخل البيت:
صححوا المسار. الآن.
لا تجاملوا الخلل.
لا تحموا الفشل.
لا تقدّسوا المواقع.
لا تقتلوا الكفاءة.
لا تخافوا من الشباب.
ولا تعاقبوا الصادق لأنه قال الحقيقة.
فالولاء الحقيقي ليس أن تقول دائماً «نعم».
الولاء الحقيقي أن تمنع من تحب من الذهاب إلى الخطأ.
أنا لا أريد فتحاً بلا أخطاء.
أريد فتحاً تعترف بأخطائها ولا تخاف من إصلاحها.
ولا أريد أن نعيش على أمجاد الأمس.
أريد أن نصنع لأبنائنا أمجاد الغد.
لأن فتح، إذا أرادت أن تبقى صاحبة دور في فلسطين، عليها أن تدرك:
الثقة تُكتسب كل يوم، والشرعية تُحمى بالأداء، والتاريخ يُحترم بالوفاء له لا باستهلاكه.
ولهذا، وبلا خوف ولا تردد:
اسمعوا كلام الرئيس ابو مازن
افتحوا النوافذ.
ادخلوا الهواء.
حركوا المياه الراكدة.
وقولوا الحقيقة.
فثمن كلمة حق داخل البيت…
أرخص بكثير من ثمن الصمت حين يسقط البيت.
وافهم