جاري التحميل...

حين ينحاز العقل إلى الشر

بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين

ليس أخطر على الإنسان من الشرّ حين يدخل العقلَ متنكّرًا في هيئةِ فكرة، ولا أشدُّ فتكًا بالوعي من أن تتحوّل السياسة إلى مبرّرٍ أخلاقيٍّ للكراهية. فالموقف السياسي، مهما اشتدّ اختلافه، يظلّ قابلًا للنقاش ما دام يحتكم إلى العقل؛ أمّا حين ينحاز إلى الشرّ، فإنه لا يعود موقفًا عابرًا، بل يتحوّل إلى عطبٍ عميقٍ في بنية التفكير، يُفسد القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين العدالة والانتقام، وبين الدفاع عن الإنسان وتبرير سحقه.

إنّ العقل لا يفقد حريته دفعةً واحدة؛ يبدأ الأمر بتنازلٍ صغير عن الحقيقة، ثم تتوالى التنازلات حتى يصبح الوهم عقيدة، والانحياز مبدأ، والعداء معيارًا للحكم على الأشياء. عندها لا يعود الإنسان يسأل: ما الصحيح؟ بل يسأل: كيف أبرّر ما أريد أن يكون صحيحًا؟ وهنا تقع الكارثة؛ إذ يتحوّل التفكير من أداةٍ لاكتشاف الحقيقة إلى جهازٍ بارعٍ لصناعة الأعذار.

وحين تتلبّس الأيديولوجيا بالعقل، يصبح المنطق خادمًا للرغبة، والدليل تابعًا للموقف، والحقيقة قابلةً لإعادة الصياغة وفق مقتضى المصلحة. فيُدان الفعل ذاته إذا صدر عن الخصم، ويُغفر إذا صدر عن الحليف؛ ويُسمّى العنفُ جريمةً في جهة، وضرورةً تاريخيةً في جهةٍ أخرى. وهكذا يُنتزع الحكم الأخلاقي من جذره الإنساني، ويُعاد بناؤه على مقاس الهوية والانتماء والعداوة.

إنّ أخطر أشكال الانحياز ليس أن يخطئ الإنسان في موقفٍ سياسي، بل أن يفقد قدرته على رؤية خطئه؛ لأن الخطأ القابل للمراجعة جزءٌ من طبيعة التفكير، أمّا الخطأ الذي يحتمي بالعقيدة ويستعصي على النقد، فإنه يتحوّل إلى بنيةٍ مغلقةٍ تنتج أخطاءها باستمرار.

ولذلك فإنّ مقاومة الشر لا تبدأ دائمًا في ساحات الصراع، بل تبدأ في اللغة التي نصفه بها، وفي المفاهيم التي نمنحه من خلالها شرعيةً زائفة. فالشرّ لا يحتاج إلى أن ينتصر بالقوة وحدها؛ يكفيه أحيانًا أن يجد عقلًا يفسّر له، ولسانًا يجمّل صورته، وضميرًا يؤجّل إدانته.

وحين يبلغ الانحياز هذه الدرجة، يصبح العقل شريكًا في الجريمة من حيث لا يشعر؛ لأنه لا يمارس الشر بيده، بل يمنحه منطقًا يبرّره، ولغةً تروّض القبح، وتأويلًا يحوّل الضحية إلى متهم، والجلاد إلى صاحب قضية.

إنّ العدالة الحقيقية لا تُقاس بمن نحبّ ومن نكره، ولا تتبدّل بتبدّل مواقعنا السياسية. فالحق الذي يحتاج إلى كراهية كي ينتصر، حقٌّ ناقص؛ والعدالة التي تستثني خصومنا من إنسانيتهم، ليست عدالةً، بل انتقامٌ يرتدي ثوب القانون.

لهذا يبقى الامتحان الأصعب للعقل هو أن يحتفظ بقدرته على قول «لا» حين يكون الشرّ صادرًا عن الجهة التي نميل إليها، وأن يقول «نعم» للحقيقة حتى حين تُدين من نحبّ.

فالعقل الحرّ ليس عقلًا بلا موقف، بل عقلٌ لا يسمح لموقفه أن يصادر الحقيقة.

وأخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يصبح ذكيًّا في تبرير ما لا يستطيع ضميره الدفاع عنه؛ فحينئذٍ لا يعود الجهل عدوّه الأكبر، بل يتحوّل ذكاؤه نفسه إلى أداةٍ للعمى.

ومن هنا تبدأ المأساة:
حين يصبح العقل محاميًا للشر،
ويصبح المنطق شاهدَ زور،
وتصبح الحقيقة هي المتهم الأخير.