السياسي – تشهد أروقة مجلس الأمن الدولي كواليس أوسع حشد دبلوماسي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف إحداث تحول جذري وغير مسبوق في المرجعيات القانونية والسياسية الناظمة للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية.
وتكشف مصادر دبلوماسية رفيعة أن الإدارة الأمريكية بدأت بالفعل صياغة مشروع قرار أممي جديد يسعى إلى اعتماد “اتفاق الإطار الثلاثي” كمرجعية دولية وحيدة، مع العمل بشكل موازٍ على إلغاء مفاعيل القرار التاريخي 1701 أو تفريغه بالكامل من محتواه.
وتؤكد المصادر، أن هذا التحرك يستهدف حصر رعاية الملف بالولايات المتحدة الأمريكية فقط، مع إقصاء تام ومقصود لأي دور أوروبي، وتحديداً فرنسا، في صياغة المشهد الأمني والسياسي الجديد في جنوب لبنان والمؤسسات الدولية المعنية به.
ورغم الترحيب الفرنسي الأولي باتفاق الإطار في حزيران الماضي كخطوة لوقف النزاع، تفيد تسريبات من أروقة الأمم المتحدة في نيويورك بأن واشنطن باتت ترى في التعددية الدولية عائقاً أمام تطبيق البنود الأمنية الصارمة للاتفاق، وخصوصاً تلك المتعلقة بآلية التحقق والنزع الكامل لسلاح حزب الله على كامل الأراضي اللبنانية، وليس الجنوب فحسب.
وتؤكد المعلومات الجديدة أن المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة بدأت سلسلة لقاءات ثنائية خلف الأبواب المغلقة لاستمالة الدول الأعضاء في مجلس الأمن، إذ تقوم الاستراتيجية الأمريكية على طمأنة الأطراف بأن الاتفاق الجديد يضمن عودة النازحين على الجانبين وبسط سيادة الدولة اللبنانية عبر الجيش اللبناني.
لكن المقابل الفعلي هو شطب اللجنة الرباعية أو الآليات الدولية السابقة، واستبدالها بمجموعة تنسيق عسكري ثلاثية تقودها واشنطن منفردة، وهو إجراء يستهدف مباشرة تحجيم الدور الفرنسي التاريخي في الجنوب اللبناني، ويلغي أي دور مستقبلي للجامعة العربية التي كانت تطالب بربط أي تهدئة بالمبادرة العربية للسلام.
وبات القرار 1701، الذي صاغ الاستقرار الهش في جنوب لبنان منذ عام 2006، وفق المنظور الأميركي-الإسرائيلي الراهن إرثاً منتهي الصلاحية.
وتشير المصادر الغربية إلى أن خطورة التوجه الأمريكي الجديد لإصدار قرار أممي متبنٍّ لاتفاق الإطار تكمن في القاعدة القانونية الدولية التي تفيد بأن القرار اللاحق يلغي الملحق أو السابق إذا تعارضا في الجوهر.
وبينما كان القرار 1701 يتحدث عن انسحاب إسرائيلي فوري وشامل إلى ما وراء الخط الأزرق مقابل انتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، فإن اتفاق الإطار يعكس ذلك تماماً؛ حيث يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بشرط تفكيك البنية التحتية لحزب الله ونزع سلاحه رسمياً والتحقق من ذلك تحت إشراف أمريكي وبتأكيد إسرائيلي.
وسيعني تشريع اتفاق الإطار بقرار تحت الفصل السادس أو السابع في مجلس الأمن عملياً إسقاط المظلة القانونية لـ1701، وتحويل قوات اليونيفيل إما إلى قوة مراقبة محدودة جداً أو دفعها نحو الانسحاب التدريجي الكامل خلال المرحلة المقبلة.
ووفقاً للمصادر الغربية، فإن هناك بنوداً غير معلنة في الملحق العسكري السري لاتفاق الإطار يتم تداولها الآن كأرضية لمشروع القرار الأميركي، أبرزها إعطاء الحق لسلاح الجو الإسرائيلي بمواصلة عمليات الاستطلاع فوق الأجواء اللبنانية لأغراض التحقق إلى حين إعلان واشنطن خلو لبنان تماماً من البنية التحتية العسكرية غير الشرعية.
كما يمنح المشروع المقترح الجانب الأميركي، عبر ضباط ومستشارين ميدانيين، صلاحية توجيه وحدات الجيش اللبناني لتفتيش أي نقطة مشبوهة دون الحاجة للاستئصال السياسي أو الإذن المسبق من مجلس الوزراء اللبناني.
وفي بيروت، يعيش الحكم اللبناني ممثلاً برئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام حالة من الضغط الهائل، فالرئاسة اللبنانية التي سارت في اتفاق الإطار بغية وقف الحرب او إعادة الإعمار، تجد نفسها اليوم أمام فخ دبلوماسي؛ إذ إن إلغاء الـ1701 يجرّد لبنان من مرجعيته الدولية التاريخية ويجعله مكشوفاً تحت رحمة التفسير الأميركي-الإسرائيلي لبنود نزع السلاح.
وبناءً عليه، نشطت الدبلوماسية اللبنانية في الأيام الأخيرة باتجاه عواصم كبرى مثل بكين وموسكو وباريس لعقد مشاورات واسعة تستبق الخطوة الأميركية، والتمسك ببقاء مظلة اليونيفيل لمنع الفراغ الأمني الشامل.
ومن الجانب الآخر، يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذا القرار المقترح الانتصار الدبلوماسي الأكبر كونه يحرر تل أبيب من التزامات الـ1701 التي طالما اعتبرتها إسرائيل قاصرة عن حماية أمنها، ويمنحها شرعية دولية لربط احتلالها لبعض النقاط الحدودية بتقدم عمليات نزع سلاح حزب الله.
ويرى المحلل السياسي ميشيل أبو نجم، أن المسعى الأميركي في هذا الإطار يمثل مغامرة سياسية عالية المخاطر ذات أبعاد إقليمية ومحلية معقدة، مشيرا إلى أن حصر المرجعية في واشنطن يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في إقصاء الخصوم والحلفاء على حد سواء من صياغة توازنات الشرق الأوسط.
ويؤكد أن إبعاد فرنسا، التي قادت مفاوضات روما والترتيبات التاريخية للبنان، سيخلق فجوة في الدعم المالي الأوروبي لإعادة الإعمار، إذ لن تقبل باريس بتمويل سلام أميركي محلي يُدار بالكامل من البنتاغون.
ويوضح، أن جوهر مشروع القرار الجديد، الذي يفرض على الدولة اللبنانية نزع سلاح حزب الله كشرط للانسحاب الإسرائيلي، يطالب بيروت بمهمة تعجز عنها بنيوياً وعسكرياً.
ويشير إلى أنه وفي ظل الرفض المطلق والصريح الذي أعلنه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لاتفاق الإطار وتعهده بعدم الاستسلام، فإن أي قرار دولي يضغط على الجيش اللبناني للعب دور المُحقِق والمُنفِذ برعاية أميركية حصرية قد يدفع البلاد نحو أتون صدام داخلي خطير أو حرب أهلية متجددة، بدلاً من تحقيق الاستقرار الموعود.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن الدبلوماسية الدولية تقف اليوم عند مفترق طرق خطير، فإما أن تنجح الولايات المتحدة في حشد الأصوات اللازمة، مستغلة رغبة المجتمع الدولي في إنهاء الصراع المسلح، لتمرير قرارها الجديد وفرض اتفاق الإطار كبديل شرعي وحيد للـ1701، وإما أن تصطدم هذه المحاولة بالفيتو الروسي أو الصيني، مدفوعاً بطلب لبناني-فرنسي خفي للحفاظ على التعددية الدولية.
ومن المؤكد أنه وفي ظل هذه المعادلة فإن جنوب لبنان لم يعد ساحة لتعديل الحدود البرية فحسب، بل تحول إلى حلبة تصفية حسابات دبلوماسية كبرى تعيد صياغة مفهوم الرعاية الدولية في الشرق الأوسط برمته.