قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 177,021 شخصاً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، ما زالوا في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار 2011، مؤكدة أن البحث عن المختفين وحماية الأدلة وإنصاف عائلاتهم ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات مسارات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
جاء ذلك في تقريرها السنوي الصادر، اليوم الأحد، بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، تحت عنوان: “خمسة عشر عاماً من الاختفاء القسري في سوريا: حق الأسر في الحقيقة واجب مستمر”.
ووثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 45,365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية منذ آذار 2011، بينهم 45,038 شخصاً قضوا داخل معتقلات نظام الأسد المخلوع.
وأوضحت أن هذه الأرقام تستند إلى معيارها القائم على استخدام عبارة “ما لا يقل عن”، ما يعني أن الأعداد الفعلية يُرجح أن تتجاوز الحالات التي تمكنت من توثيقها.
انتهاكات واسعة منذ عام 2011
وبحسب التقرير، وثقت الشبكة منذ آذار 2011 أنماطاً واسعة النطاق من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ارتكبها نظام بشار الأسد في سياق قمع الاحتجاجات والمعارضة الفعلية أو المفترضة.
واقترنت منظومة الاحتجاز لدى النظام المخلوع، وفق التقرير، بالتعذيب والعنف الجنسي والحرمان من الرعاية الطبية والقتل غير المشروع والوفاة الناجمة عن ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، إلى جانب الحرمان المنهجي للعائلات من الحصول على معلومات موثوقة بشأن مصير أقاربها.
كما وثقت الشبكة انتهاكات جسيمة تُنسب إلى أطراف أخرى خلال سنوات الثورة، بما في ذلك الاختفاء القسري حيثما توافرت أركانه القانونية ذات الصلة، إلى جانب الاعتقال التعسفي والاختطاف وأخذ الرهائن في حالات أخرى.
وشدد التقرير على أن نطاق هذه الانتهاكات وأنماطها والمسؤولية عنها يختلف بدرجة كبيرة بين النظام المخلوع والأطراف الأخرى.
“سقوط نظام الأسد لم يغلق ملف المختفين”
وأكد التقرير أن سقوط نظام بشار الأسد في 8 من كانون الأول 2024 لم ينهِ انتهاك الاختفاء القسري أو يغلق ملف المختفين، مشيراً إلى أن الاختفاء القسري يُعد انتهاكاً مستمراً ما دام مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده مجهولاً.
ودعت الشبكة إلى الانتقال من مرحلة التوثيق، التي جرت سابقاً في ظل ظروف شديدة التقييد، إلى بذل جهود منهجية لتحديد مصير المختفين، وحماية الأدلة، وتحديد مواقع المقابر الجماعية، وفحص السجلات والمحفوظات، وربط المعلومات التي كانت متفرقة في السابق.
حق العائلات في معرفة الحقيقة وجبر الضرر
وأشار التقرير إلى أن للضحايا وعائلاتهم الحق في معرفة ظروف الاختفاء ومصير الشخص المختفي ومكان وجوده.
ووفقاً للمعايير الدولية التي استند إليها التقرير، يشمل مفهوم الضحية الشخص المختفي وأقاربه وكل من لحق به ضرر مباشر نتيجة الاختفاء.
كما أشار إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 60/147 لعام 2005 يعترف بخمسة أشكال لجبر الضرر، هي: الرد، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار.
وقال التقرير إن عائلات المختفين قسرياً عانت على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً من تداعيات نفسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، إذ عجز آلاف منها عن معرفة مصير أقاربهم أو إقامة مراسم الدفن أو الحصول على شهادات وفاة موثوقة أو تسوية المسائل القانونية وقضايا الميراث.
ودعا إلى وضع العائلات في صميم جميع العمليات المتعلقة بالمفقودين، مع ضمان الشفافية والسرية وحماية البيانات الشخصية ومراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء والأطفال والأشخاص الأكثر عرضة للضرر.
تحذيرات من فقدان الأدلة والعبث بالمقابر الجماعية
وشددت الشبكة على أن المرحلة الجديدة تفرض حاجة ملحة إلى حماية الأدلة، محذرة من مخاطر فقدانها أو العبث بها أو نقلها أو إتلافها، فضلاً عن عدم توفير الحماية الكافية لمواقع المقابر الجماعية.
ودعت إلى إنشاء برنامج وطني ودولي متكامل لحصر مراكز الاحتجاز السابقة، وحماية المحفوظات والسجلات الأمنية والعسكرية والقضائية والمدنية، وتوثيق المقابر الجماعية، والحفاظ على سلسلة حيازة الأدلة، وإشراك مختصين في الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الشرعية وتحليل الحمض النووي.
وأكدت ضرورة أن يظل البحث عن المفقودين مستقلاً وآمناً ومتمحوراً حول العائلات، داعية إلى تكامل الأدوار بين اللجنة الوطنية للمفقودين، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة، والهيئات الدولية المتخصصة، ومنظمات المجتمع المدني السورية، والسلطات القضائية، ومؤسسات الطب الشرعي.
كما شددت على ضرورة حماية المعلومات الحساسة، وألا يؤدي التعاون بين مسار كشف الحقيقة ومسار المساءلة القضائية إلى النقل التلقائي للبيانات أو تعريض الضحايا أو الشهود أو العائلات لمخاطر إضافية.
السياق القانوني للاختفاء القسري
واستعرض التقرير الإطار القانوني الدولي للاختفاء القسري، موضحاً أن الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تعرّفه بأنه الحرمان من الحرية على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأشخاص يتصرفون بإذن أو دعم أو موافقة من الدولة، يعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.
وذكر التقرير أن الأنماط الموثقة في سوريا قد ترقى، متى ثبتت أركانها أمام الهيئات القضائية المختصة، إلى جريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي والمادة الخامسة من الاتفاقية الدولية، مشيراً إلى أن سوريا لم تنضم بعد إلى الاتفاقية.
كما أكد الالتزام بإجراء تحقيقات فعالة ومستقلة في حالات الحرمان التعسفي من الحياة والتعذيب أثناء الاحتجاز، استناداً إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والمبادئ الدولية المتعلقة بمكافحة الإفلات من العقاب.
وأوضح أن التحقيقات ينبغي أن تشمل الأشخاص الذين أصدروا أوامر بارتكاب الجرائم أو حرضوا عليها أو ساعدوا في ارتكابها، وكذلك القادة العسكريين والرؤساء المدنيين، متى ثبتت السلطة والسيطرة الفعليتان، وتوافر معيار العلم الواجب التطبيق قانوناً، وعدم اتخاذ التدابير اللازمة والمعقولة لمنع الجرائم أو قمعها أو إحالة الأمر إلى السلطات المختصة، وذلك عملاً بالمادة 28 من نظام روما الأساسي والقانون الجنائي الدولي العرفي.
“البحث عن المفقودين لا ينفصل عن العدالة”
من جانبه قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني: “لا يمكن اختزال البحث عن المفقودين في عمل إنساني منفصل عن العدالة. فكل حالة تثير أسئلة بشأن من نفذ الاعتقال، وأين احتُجزت الضحية، ومن أصدر الأوامر أو أشرف على تلك الأفعال، وما الذي حدث للضحية، وعلى من تقع المسؤولية. وللعائلات الحق ليس فقط في الحصول على المعلومات، وإنما أيضاً في الانتصاف، وجبر الضرر، والمساءلة”.
ودعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية إلى التعامل مع ملف المفقودين والمختفين قسرياً باعتباره أولوية وطنية عاجلة ووضعه في صميم عملية العدالة الانتقالية.
وطالبت الحكومة بضمان استقلال اللجنة الوطنية للمفقودين وتوفير الموارد والصلاحيات اللازمة لها، وتمكينها من الوصول إلى السجلات والمحفوظات ومراكز الاحتجاز السابقة ومواقع الدفن.
كما دعتها إلى حماية المقابر الجماعية ومرافق الاحتجاز والمحفوظات الأمنية والقضائية والسجلات المدنية ذات الصلة من الإتلاف أو التغيير أو النقل أو العبث.
وطالبت بإنشاء أنظمة آمنة لإدارة المعلومات المتعلقة بالمفقودين، وإطلاق برنامج وطني للحمض النووي يقوم على الموافقة الحرة والمستنيرة.
ودعت الشبكة سوريا إلى التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري من دون تحفظات موضوعية، والاعتراف باختصاص اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري بموجب المادتين 31 و32، وتجريم الاختفاء القسري باعتباره جريمة مستقلة وفقاً للمواد من 4 إلى 7، إضافة إلى حماية الشهود والناجين والمبلغين عن المخالفات وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة.
وطالبت الشبكة النيابة العامة والسلطات القضائية الوطنية بإعطاء الأولوية للتحقيقات في حالات الاختفاء القسري والوفيات أثناء الاحتجاز، وحماية سلسلة حيازة الأدلة وضمان استقلال القضاء.
كما دعت إلى التعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة وتعزيز التعاون مع الدول التي تجري تحقيقات ومحاكمات استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
مطالب للأمم المتحدة والمجتمع الدولي
ودعت الشبكة أيضا الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى توفير دعم سياسي ومالي وتقني مستدام للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين، والإبقاء على قضية المفقودين السوريين على جدول الأعمال الدولي.
كما طالبت بدعم حماية الأدلة وصون المقابر الجماعية وتوفير الخبرات في الطب الشرعي وتحليل الحمض النووي وتحديد هوية الرفات.
وحثت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على مواصلة ممارسة الولاية القضائية العالمية في قضايا الاختفاء القسري السورية وتعزيز التعاون القضائي، ولا سيما مع مكاتب الادعاء المتخصصة في ألمانيا وفرنسا وهولندا والسويد، ومع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة.
وشددت الشبكة على ضرورة امتناع الدول عن استخدام ملف المفقودين أداةً للمساومة السياسية أو ربط الكشف عن مصير الضحايا بمصالح سياسية أخرى.
كما دعت الجهات المانحة إلى توفير تمويل طويل الأجل لبرامج المفقودين بأفق زمني لا يقل عن خمس سنوات، بما يشمل دعم قدرات الطب الشرعي والتحقيقات الجنائية وإدارة قواعد البيانات ومساعدة العائلات وحفظ المحفوظات وحماية مواقع المقابر الجماعية.