رغم اتساع دائرة الدول التي تعترف بدولة فلسطين، وتؤكد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وحقه في تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، فإن هذا الاعتراف لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة نضال فلسطيني تراكمي امتد لعقود، قبل وبعد اتفاق أوسلو، وارتبط بالنضال السياسي والدبلوماسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والثورة الفلسطينية المعاصرة.
وقد بدأت بعض النتائج السياسية لهذا النضال بالظهور بوضوح بعد معركة الكرامة ومشاركة
حركة فتح وفي سلسلة العمليات العسكرية عبر الأراضي الأردنية وداخل الأرض المحتلة ومن هضبة الجولان وجنوب لبنان قد شكل العمل الفدائي رافعة للقضية الفلسطينية وكذلك بعد حرب أكتوبر ومشاركة الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 1974 في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلقائه كلمته الشهيرة التي قال فيها: «لقد جئتكم أحمل غصن الزيتون في يد، وبندقية الثائر في اليد الأخرى، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي».
وكانت مشاركة الرئيس عرفات في ذلك المحفل الدولي ثمرة جهود عسكرية وسياسية ودبلوماسية، من بينها الدعم الذي قدمه الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير خارجية الجزائر، وتولى لاحقًا رئاسة الجمهورية الجزائرية. رحمه الله.
ولعل من أبرز أسباب النتائج السياسية والدبلوماسية التي تحققت للقضية الفلسطينية: انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ودورها النضالي، بما في ذلك الدور الذي لعبه الاتحاد العام لطلبة فلسطين، إلى جانب تولي أعداد كبيرة من أبناء الحركة الوطنية الفلسطينية مهام السفراء والممثلين لمنظمة التحرير الفلسطينية في العديد من دول العالم.
في تلك المرحلة، كانت مهمة السفير الفلسطيني مهمة نضالية ووطنية، وليست مجرد مرتبة وظيفية. وقد استشهد عدد من سفراء وممثلي فلسطين أثناء قيامهم بمهامهم الوطنية، في ظل عمليات استهدفت من قبل المخابرات الإسرائيلية الموساد في عدد من العواصم الأوروبية وغيرها. وهناك قائمة طويلة من الأسماء والشخصيات الفلسطينية التي قدمت أرواحها دفاعًا عن القضية الفلسطينية.
هؤلاء الأبطال شكلوا إحدى الرافعات الأساسية للقضية الفلسطينية، وكان دافع اختيار الممثلين الدبلوماسيين يقوم، في الأساس، على الكفاءة الوطنية والقدرة على خدمة القضية الفلسطينية والدفاع عنها، وليس على الوظيفة بما توفره من راتب وامتيازات ومكاسب.
وقد ساهم هذا النهج في تعزيز حضور القضية الفلسطينية، وتحولت العديد من ممثليات منظمة التحرير الفلسطينية، مع تطور الاعتراف السياسي بها، إلى سفارات في عدد كبير من دول العالم.
لكننا، اليوم، وللأسف الشديد، نشهد تراجعًا في هذا الدور في بعض المواقع، بسبب تدخل المحسوبية والعلاقات العائلية ونفوذ بعض المسؤولين في اختيار السفراء والممثلين. وحتى لا نظلم الجميع أو نعمم، فإن هناك بالتأكيد عددًا من الكفاءات الفلسطينية المشهود لها بالكفاءة والوطنية، والتي تقوم بواجبها بكل إخلاص.
ما دفعني إلى الكتابة هو ما ألاحظه من تراجع في علاقاتنا مع بعض الدول التي كانت تاريخيًا صديقة للشعب الفلسطيني وقضيته، مثل إيطاليا واليونان. وبعض الدول الأخرى فقد كانت قيادات الثورة الفلسطينية تمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع الأحزاب السياسية وحركات التحرر في مختلف أنحاء العالم، وكانت هذه العلاقات تشكل رصيدًا سياسيًا مهمًا للقضية الفلسطينية.
أما اليوم، فنفتقر، في كثير من الأحيان، إلى ذلك التواصل الفاعل مع القوى والأحزاب السياسية في دول العالم، بما في ذلك بعض الأحزاب العربية التقدمية. كما تحول العمل الدبلوماسي، في بعض الحالات، من مهمة وطنية ونضالية إلى مجرد وظيفة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل من المعقول أن يتحول موقع السفير، بعد وفاته، إلى ما يشبه الإرث العائلي؟ وهل أصبحت بعض المواقع الدبلوماسية حقًا مكتسبًا لأبناء المسؤولين وأقاربهم؟
أنا مع حضور المرأة الفلسطينية وتوليها مختلف المواقع القيادية والدبلوماسية، فهي شريك أساسي في النضال الوطني الفلسطيني. لكن اختيار السفير أو السفيرة يجب أن يخضع أولًا لمعايير الكفاءة والخبرة والقدرة على أداء المهمة الدبلوماسية، وبما يتناسب مع طبيعة كل دولة وظروفها وخصوصية العلاقات معها.
وفي الوقت نفسه، لماذا لا يتم تعيين سفراء من خارج إطار السلطة، من الكفاءات الفلسطينية المستقلة والمشهود لها بالخبرة والنزاهة والقدرة على تمثيل فلسطين؟ فهناك قوائم طويلة من الكفاءات الفلسطينية التي تستطيع أن تقدم الكثير للقضية الفلسطينية.
لماذا يكون المعيار هو: ابن مسؤول، أو نسيب مسؤول، أو ابنة مسؤول، أو قريب مسؤول؟ أليس الأجدر أن يكون المعيار هو الكفاءة والوطنية والخبرة والقدرة على خدمة فلسطين والدفاع عن قضيتها؟
إن القضية الفلسطينية تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية الفلسطينية بوصفها مهمة وطنية ونضالية، وإلى استعادة العلاقات مع الأحزاب والقوى السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني وحركات التضامن في مختلف دول العالم.
فالدبلوماسية ليست مجرد مكاتب وبروتوكولات ومراسم، وإنما هي أيضًا بناء علاقات، وكسب أصدقاء، والدفاع عن الرواية الفلسطينية، وحشد الدعم السياسي والشعبي للقضية الفلسطينية.
وفي الختام، رحم الله سفراء وممثلي فلسطين وكل المناضلين الذين فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبهم الوطني، وقضوا دفاعًا عن فلسطين وقضيتها وحقوق شعبها.
عمران الخطيب