بقلم: صابر شعبان/ شاعر مصري
لا تُعد العلاقات المصرية الجزائرية مجرد روابط دبلوماسية إقليمية، بل تتشكل في أدبيات العلوم السياسية والتاريخ المعاصر نموذجاً لـ التكامل النضالي والوجودي والذي يؤكد عمق المصير المشترك بين الشعبين الشقيقين، وصولاً إلى التعاطف والمؤازرة الشعبية والرسمية في مواجهة الأزمات البيئية والمناخية المعاصرة.
حين تُشيَّعُ الأرواحُ الزكيةُ في جنائزَ جماعيةٍ إثرَ الحرائقِ الموسميةِ الكارثية التي تكررت في صيف الأعوام الأخيرة وصولاً إلى صيفِ عامِنا هذا إبان موجات الحر اللافحة
أمامَ مأساةٍ تمسُّ كينونةَ الإنسانية.
إنَّ الفقدَ الأليمَ للأرواح والممتلكات، والذي يعتصرُ قلوبَ الشعبِ الجزائري الشقيق، هو وجعٌ يستقرُّ في الوجدانِ المصري؛ وكأنَّ أميرَ الشعراء أحمد شوقي كان يصفُ حالَنا وأسانا أمامَ هذه الصور المفجعةِ حين قال:
ما زِلتُ أَسمَعُ بِالشَقاءِ رِوايَةً
حَتّى رَأَيتُ بِكِ الشَقاءَ مُصَوَّرا
تتأصلُ الرابطةُ بين النيلِ والأوراس في الموروثِ الفلسفي والروحي القائمِ على فكرة “الجسدِ الواحدِ والتطهيرِ بالابتلاء فالأرضُ التي تُبتلى بالنارِ لا تفنى، بل تمرُّ بمرحلةِ انبعاثٍ تتجددُ بها الحياة مرة أخرى.
أتذكر عندما كان الموتُ يُحاصرُ المناضلةَ جميلة بوحيرد تحت مقصلةِ الاستعمار الفرنسي عام 1957، وقفت بضحكتها الشهيرة لِتَقلِبَ المفاهيمَ الفلسفيةَ للجلادِ قائلةً:
“أعرف أنكم سوف تحكمون عليّ بالإعدام، ولكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم، ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة. إنَّ هذه الروحَ التي صمدت أمامَ المقاصلِ هي ذاتُها الروحُ التي تقفُ اليومَ أبيةً أمامَ رمادِ الغابات.
وفي رؤية فلسفية لتلاحم الصوت بالبندقية، يرى الشاعر صلاح جاهين في قصيدته (أغنية إلى الجزائر) أن للغناء وقعاً مختلفاً وأعمق قائلاً:
“أحب أشوفك يا رايات في النسمة
… بترفرفي ع الذكريات مبتسمة
سبع سنين دم الجزاير فاير
وألف ألف شهيد وهيه الكلمة
فيه معجزات زمانها فات
ودي معجزات الشعب لما يصمم
محلا الغنا بعد الرصاص ما اتكلم”
كما كتب عبد الرحمن الأبنودي بالعاميةِ لصمودِ الأوراس، وواكب أحمد عبد المعطي حجازي وفاروق شوشة نضالَ الشعبِ الجزائري. وحينَ اعتصرَ الأسى قلبَ الشاعرِ نجيب سرور أمامَ أسرِ الثوار، قال:
“إني لا أملكُ إلا شعري.. وعذاباً ينهشُ في صدري”
لم تكن الرابطةُ بين مصرَ والجزائرِ مجردَ جيرةٍ جغرافية، بل كانت سَيَلاناً من الدَّمِ والمَصِيرِ المشترك الذي وُثقَ في صحائفِ التاريخ.
في الأولِ من نوفمبر 1954، انطلقَ البيانُ الأول لثورةِ التحريرِ عبر أثير “صوت العرب” من القاهرة (التي تأسست عقب ثورة 23 يوليو 1952). ومَكّنت الدبلوماسيةُ المصريةُ وفدَ جبهةِ التحريرِ برئاسة حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة من الحضورِ في مؤتمر باندونغ (1955) كاسرةً الحصارَ الدولي، ومُمهدةً لتطويرِ القضيةِ في الجمعيةِ العامة للأممِ المتحدة.
ودَفعت مصرُ ضريبةَ هذا الانحيازِ في العدوان الثلاثي 1956 حين أعلن الاستعمارُ أنَّ القضاءَ على الثورةِ يمرُّ عبرَ القاهرة. وبدورهِ، ردَّ الشعبُ الجزائري الجميلَ بسخاءٍ ميداني؛ إذ سارعَ الرئيسُ هواري بومدين بتأمينِ التسليحِ عقب نكسة 1967، وشاركت القواتُ الجزائريةُ بالسريّةِ التكتيكيةِ واللواءِ الثامنِ للمدرعاتِ وسربينِ من الطائرات (ميغ-21 وسوخوي-7) في حرب أكتوبر 1973.
لقد التحمت الثقافةُ المصريةُ بملحمةِ الجزائر، فتجاوزت التضامن التقليدي إلى إبداعٍ كونيٍّ أزلي
صاغ الموسيقار محمد فوزي ألحان النشيد الوطني “قسماً” (كلمات مفدي زكريا) هديةً للشعبِ الثائر. وغنت كوكب الشرق أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ جراحَ الأمة بأغانٍ تُخلدُ الثورة. وتُوجَ ذلك سينمائياً بفيلم “جميلة” (1958) بقلم نجيب محفوظ وعلي الزرقاني وإخراج يوسف شاهين، ومسرحياً بـ “مأساة جميلة” لعبد الرحمن الشرقاوي.
يا أهلنا في الجزائر، إنَّ التشييعَ الجماعي لشُهداءِ الحرائقِ الموسمية يقطعُ الأكباد، لكنَّ الفلسفةَ التي صاغتها جغرافيا الأوراس وجرجرة تؤكدُ أنَّ النارَ وإن التهمت الخشبَ والورق، فإنها تعجزُ عن المساسِ بالجذورِ الضاربةِ في صخرِ الوطن.
إنَّ الغطاءَ النباتي الذي احترقَ سيعودُ أشدَّ خُضرةً وشموخاً، وإنَّ الأرواحَ التي فاضت في هذه الكارثةِ ليست ضحايا للرماد، بل هي قناديلُ تُضيءُ ذاكرةَ الأمة.
واليوم، لا نملكُ أمامَ هذه الفاجعة إلا أن نفتحَ أذرعنا لنحملَ عنكم بعض هذا الثقل، ونقتسمَ معكم الوجعَ والشهقةَ والدعاء، أضعُ قلبي وثيابي في حدادكم، وأبكي من يبكيهم واديكم يا أهلنا، إنَّ الصدرَ ليضيقُ ونحن نرى الفقدَ يطرقُ بيوتكم لكننا لا نرثي فيكم جسداً يحترق، بل نرثي معكم قطعةً من أرواحنا.
لستُ أقفُ بين أيديكم اليوم كمن يسردُ تاريخاً أو يوثقُ شواهد، بل كأخٍ يرتجفُ قلبه، ومواطنٍ مصري وشاعرٍ يرى في كلِّ ثكلى في قراكم أمه، وفي كلِّ فقيدٍ قضى بين ألسنةِ النيران في تلك الليالي اللافحة شقيقاً وروحاً. كيف يملكُ الشعرُ صبراً وحرائقُ الصيفِ تلتهمُ أخضرَكم؟ وكيف يُكتبُ الرثاءُ حين تُشيَّعُ الجنائزُ الجماعية، فيعجزُ الدمعُ عن إطفاءِ الرماد.
نقفُ معكم اليومَ لا لندعيَ قدرةً على ردِّ القدر، بل لنقتسمَ مرارةَ الفقدِ وضعفَ الإنسانيةِ أمامَ الموت، كما لخّصَ ذلك الإمامُ الشافعيّ في أبلغِ مواساة:
إِنّي أُعَزّيكَ لا أَنّي عَلى ثِقَةٍ … مِنَ الخُلودِ وَلَكِن سُنَّةُ الدينِ
فَما المُعَزّي بِباقٍ بَعدَ تَعزِيَةٍ … وَلاالمُعَزّى وَلَو عاشا إِلى حينِ
إنَّ المواساةَ ليست ادعاءً بالخلود، بل هي اعترافٌ بالضعفِ البشري والمصيرِ الفاني المشترك، ومُشاطرةٌ للوجعِ بينَ جسدينِ يدركانِ أنَّ البقاءَ للهِ وحده، وأنَّ الواجبَ الإنساني والروحي يُحتمُ الوقوفَ صَفاً واحداً في مواجهةِ الفاجعة.
سلامٌ على أرواحِ الذين غادرونا تحتَ هجيرِ النيران، وسلامٌ على القلوبِ الصابرةِ التي تُشيّعُ أحبتَها بدمعٍ حارٍّ يُحرقُ المآقي. يا أهلنا وأشقاءَ الروحِ في الجزائر، لا تبكوا الشجرَ الذي احترق؛ فصخرُ الأوراسِ يحفظُ الجذور، والأرضُ التي سُقيت بدمِ الشهداءِ لا تُخلفُ وعدَها مع الحياة.
نحنُ هنا في مصر، لا نملكُ إلا أن نفتحَ لكم مجرى النيلِ لدموعكم، ونضمَّ أوجاعَكم إلى صدورِنا لعلّنا نرفعُ عنكم بعضَ هذا الثقلِ المفجع. إنَّ كلَّ زفرةِ حزنٍ ترتفعُ من قرى بجاية وتيزي وزو وجيجل، يترددُ صداها في كلِّ بيتٍ مصريٍّ يشاركُكم مرارةَ الفقدِ ولوعةَ الوداع.
اصبروا وتماسَكوا كما عهدكم التاريخ؛ فأنتم أبناءُ الأرضِ التي لا تنكسر، وأحفادُ الروحِ التي لا تُقهر. سيمرُّ هذا الشقاءُ كما مرت الخطوبُ من قبل، وسيخرجُ من قلبِ هذا الرمادِ زهرٌ جديدٌ أشدُّ خُضرةً وأكثرُ كبرياء. نمسحُ على جرحكم بأيدي الوفاءِ والأخوة، ونودعُ شهدائكم عند رءوفٍ رحيم، ممتلئين باليقينِ أنَّ الجرحَ واحد، والدمعَ واحد، وأنَّ الجزائرَ ستظلُّ أبداً حيةً، شامخةً، وعصيةً على الدمار.