في فاجعة الحرائق، الجزائر لا تواجه النار وحدها… فلسطين تقف إلى جانبها بقلبٍ واحد
بقلم: سامي إبراهيم فودة – غزة
هناك أحزانٌ لا تحتاج إلى جواز سفر، ودموعٌ لا تعرف حدودًا بين وطنٍ ووطن… وحين يصل نبأ الفاجعة من الجزائر الشقيقة، تشعر فلسطين أن جزءًا من وجعها قد أصابها.
من جيجل، حيث امتدت النيران وأكلت الأخضر واليابس، وحيث ارتفعت الأدعية بدل الزغاريد، وحيث خرجت الجموع لتشيّع الضحايا في مشهدٍ يختصر حجم المصاب، نقف نحن الفلسطينيين اليوم أمام الجزائر بقلوبٍ مثقلة بالحزن، ونقول لأهلنا هناك: لسنا غرباء عن وجعكم، ولن نكون.
الجزائر الشقيقة… نعزّيكِ لا من بعيد، بل من قلب شعبٍ عرف معنى الفقد، وعرف كيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه حتى وهو يحمل جراحه.
لقد عرفت فلسطين، ولا تزال تعرف، معنى أن يسبق الدخانُ خبرَ الرحيل، وأن تنتظر العائلات أبناءها فلا يعودون، وأن تتحول لحظات الحياة العادية إلى ذاكرةٍ لا تُنسى.
ولهذا، حين نشاهد اليوم مواكب التشييع في جيجل، لا نرى مجرد جنازة؛ بل نرى أمهاتٍ مكسورات، وآباءً فقدوا فلذات أكبادهم، وبيوتًا انطفأت فيها ضحكةٌ إلى الأبد.
يا جزائر الشهداء…
نعلم أن الكلمات مهما بلغت من القوة، تبقى عاجزة أمام أمٍّ فقدت ابنها، وأبٍ شيّع قطعةً من قلبه، وأسرةٍ ستعود إلى بيتها فتجد مكانًا فارغًا لا يستطيع الزمن أن يملأه.
لكننا نريد أن نقول لكم شيئًا واحدًا:
في فلسطين، وجعكم وجعنا… ودموعكم تصل إلى غزة، وإلى القدس، وإلى كل بيت فلسطيني يعرف معنى أن يكون الفقد أكبر من الكلام.
من غزة المحاصرة، التي أنهكتها الحرب والدمار والفقد، نرفع أكفنا بالدعاء إلى الله أن يرحم ضحايا هذه الفاجعة، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء، وأن يحفظ الجزائر وأهلها من كل سوء.
ونحن إذ نشارك الجزائر الشقيقة أحزانها، نستذكر تلك العلاقة التي لم تكن يومًا علاقة شعارات عابرة؛ فالجزائر كانت دائمًا حاضرة في الوجدان الفلسطيني، وفلسطين حاضرة في وجدان الجزائريين.
من ثورة الجزائر إلى ثورة فلسطين، ظلّ الدم العربي يعرف طريقه إلى أخيه، وظلت الجزائر تقول إن فلسطين ليست قضية شعبٍ وحده، وإنما قضية ضمير.
واليوم، حين تُشيَّع أرواح ضحايا جيجل، نقول للجزائر:
اصبري يا جزائر… فالشعوب الكبيرة تُعرف أيضًا في لحظات الانكسار، وتُعرف حين تقف خلف مصابها صفًا واحدًا.
رحم الله ضحايا فاجعة جيجل رحمةً واسعة، وألهم أهلهم وذويهم جميل الصبر والسلوان، وحفظ الجزائر أرضًا وشعبًا، وأبعد عنها نار الفتن والكوارث.
ومن فلسطين، من قلب غزة، أبعث إلى الجزائر الشقيقة رسالة محبة ومواساة:
أعظّم الله أجركم، وجبر مصابكم، وحفظ الله الجزائر وأهلها.
فقد تختلف الجغرافيا…
لكن الوجع الإنساني واحد، والقلب العربي حين يتألم أخوه… يتألم معه.
رحم الله الضحايا… وحمى الله الجزائر.
فلسطين والجزائر… شعبان، ووجعٌ واحد، وقلبٌ لا ينقسم.