عمران الخطيب
كان عمران خان أحد أبرز زعماء المعارضة في باكستان، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة عبر صناديق الاقتراع، حاملاً مشروعًا سياسيًا رفع شعار استقلال القرار الوطني والدفاع عن مصالح باكستان بعيدًا عن الضغوط والتدخلات الخارجية.
في نهاية عام 2015، كانت زيارتي الأولى إلى باكستان للمشاركة في اجتماع الجمعية البرلمانية الآسيوية. وكان من المقرر أن يُعقد المؤتمر في العاصمة إسلام آباد، إلا أن المظاهرات الواسعة التي شهدتها المدينة دعمًا لزعيم المعارضة آنذاك عمران خان، دفعت البرلمان الباكستاني إلى نقل اجتماع الجمعية البرلمانية الآسيوية إلى مدينة لاهور، ثاني أكبر مدن البلاد.
وفي عام 2018، تحوّل عمران خان من زعيم للمعارضة إلى رئيس للحكومة، بعد فوزه في الانتخابات وتشكيله الحكومة الباكستانية. وكانت تلك اللحظة تعبيرًا عن إرادة الناخب الباكستاني، الذي اختار حكومته عبر صناديق الاقتراع.
وخلال فترة حكمه، تبنّت باكستان، وفق رؤيته السياسية، موقفًا يقوم على الحياد الإيجابي، والحفاظ على مصالحها الوطنية، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، مع التأكيد على استقلال القرار الباكستاني وعدم الانخراط في صراعات لا تخدم مصالح البلاد.
وفي سياق التوتر الأمريكي مع إيران، رفض عمران خان إدخال باكستان في مواجهة عسكرية مع طهران، مؤكدًا أن بلاده ليست طرفًا في الحرب، وأن مصلحة باكستان تقتضي الابتعاد عن الصراعات العسكرية والحفاظ على علاقاتها مع دول المنطقة.
وهنا برزت، بحسب هذا الطرح، معركة أكبر من مجرد خلاف سياسي؛ إنها معركة حول استقلال القرار الوطني، وحول قدرة الحكومة المنتخبة على رسم سياسة خارجية تتوافق مع مصالح شعبها، بعيدًا عن الضغوط والهيمنة الخارجية.
ثم جاءت اللحظة المفصلية التي انتهت بإسقاط حكومة عمران خان، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية الباكستانية. وبعد خروجه من السلطة، دخل عمران خان في مواجهة سياسية وقضائية متصاعدة انتهت باعتقاله وإيداعه السجن، وسط مخاوف وتصريحات متكررة بشأن وضعه الصحي.
إن قضية عمران خان لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد صراع بين سياسي ومعارضيه، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الديمقراطية في باكستان، ولحدود تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية.
فالتاريخ السياسي الباكستاني يحمل سوابق مؤلمة لتدخل الجيش في الحكم، ومن أبرزها الانقلاب العسكري الذي أطاح برئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو، وانتهى بإعدامه في عهد الجنرال ضياء الحق.
واليوم، يتكرر المشهد بصورة مختلفة مع عمران خان: رئيس حكومة وصل إلى السلطة عبر الانتخابات، ثم أُسقطت حكومته، وأصبح خلف القضبان بعد سلسلة من القضايا والمحاكمات.
إن استمرار تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع الديمقراطية الباكستانية أن تنمو وتستقر في ظل وجود مؤسسة عسكرية تمتلك هذا النفوذ السياسي؟
إن الدفاع عن عمران خان لا يعني بالضرورة الاتفاق مع جميع مواقفه السياسية، وإنما يعني الدفاع عن حق الناخب الباكستاني في أن تكون لصوته قيمة، وأن تكون صناديق الاقتراع هي الطريق الطبيعي للوصول إلى السلطة والخروج منها.
ومن هنا، فإن مسؤولية الدول التي تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي لا ينبغي أن تكون انتقائية أو خاضعة للمصالح السياسية. فالديمقراطية لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا ينبغي أن تتغير قيمتها بتغير التحالفات والمصالح.
إنقاذ عمران خان ليس مجرد مطلب يتعلق بشخص أو زعيم سياسي؛ بل هو، في جوهره، دعوة إلى إنقاذ المسار الديمقراطي في باكستان، وحماية حق الشعب الباكستاني في اختيار حكامه بعيدًا عن الانقلابات والتدخلات العسكرية.
أنقذوا عمران خان.
أطلقوا سراحه.
أنقذوا الديمقراطية من سطوة الجيش في باكستان.
عمران الخطيب