بقلم: م.محمد علي العايدي
يا لها من مفارقة فلسطينية موجعة!
زكريا الزبيدي، ابن جنين والمخيم، ابن عائلة قدّمت الشهداء والأسرى، المناضل الذي عرفته فلسطين قبل أن تعرفه شاشات العالم، وبطل «نفق الحرية»… يصبح فجأة، في قاموس بعض أبواق حماس، مستوطنًا!
لماذا؟
لأنه أصبح عضوًا في اللجنة المركزية لحركة فتح!
هكذا، وبمنتهى الخفة، تُمسح سيرة رجل وتُشوّه صورة مناضل، وكأن التاريخ الفلسطيني يُكتب بمنشور على «فيسبوك» ويُمحى بقرار تنظيمي.
بالأمس كان زكريا في خطابهم مناضلًا وبطلًا وصاحب تاريخ، واليوم أصبح هدفًا للتشهير والسخرية لمجرد أنه انتُخب في مركزية فتح.
أي عقل سياسي هذا؟ وأي مستوى من الإفلاس وصل إليه الخطاب الفلسطيني؟
الاختلاف مع فتح حق، وانتقاد زكريا حق، والنقد السياسي حق. لكن تحويل الخلاف إلى تشويه وتزوير للصور واغتيال للرمزية الوطنية ليس نقدًا سياسيًا؛ إنه غوغائية الانقسام.
عندما تضعون «الكاباه» على رأس زكريا وتقدمونه بصورة مستوطن، ماذا تريدون أن تقولوا للفلسطينيين؟
هل تريدون إقناعهم بأن عضوية مركزية فتح تمحو سنوات النضال؟
هل تريدون إقناعهم بأن التنظيم أهم من فلسطين؟
وهل يصبح المناضل فلسطينيًا فقط عندما يكون في الصف الذي يعجبكم؟
زكريا الزبيدي لم يصبح مستوطنًا لأنه أصبح فتحاويًا.
والمناضل لا يفقد فلسطينيته لأنه اختلف معكم.
زكريا يعرفه المخيم قبل أن تعرفه التنظيمات، وتعرفه جنين قبل أن تعرفه الفضائيات، ويعرفه الأسرى قبل أن تعرفه مواقع التواصل.
أما الصورة التي عبثتم بها، فلن تغيّر الحقيقة.
يمكنكم أن تشوّهوا صورة، لكنكم لا تستطيعون تشويه التاريخ.
والسؤال الأهم: إذا كان الاحتلال هو العدو، فلماذا يتحول مناضل فلسطيني إلى هدف لحملة تحريض بهذه الشراسة لمجرد اختلافه السياسي؟
فلسطين أكبر من فتح وحماس، وأكبر من الانقسام، وأكبر من حفلات التشهير الإلكترونية.
ومن المؤسف أن يصل بنا الانقسام إلى مرحلة يصبح فيها تشويه مناضل فلسطيني أسهل من مواجهة رواية الاحتلال.
زكريا الزبيدي ليس بحاجة إلى شهادة من أحد. تاريخه مكتوب في جنين، وفي المخيم، وفي السجون، وفي ذاكرة الفلسطينيين.
أما من يحاول اليوم إعادة كتابة تاريخه بمنشور أو صورة مفبركة، فعليه أن يتذكر حقيقة واحدة:
التاريخ لا يُكتب بمنشور… ولا يُمحى بمنشور.
ويبقى زكريا الزبيدي ابن جنين والمخيم، شاء من شاء وأبى من أبى