السياسي – تتواصل في إسرائيل المطالب بشأن لجنة تحقيق مستقلة في أحداث هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي نفذته حركة حماس، بعد قرابة 3 أعوام من الهجوم، الذي اندلعت على إثره حرب في قطاع غزة وامتدت لجبهات عدة.
ويشير العميد المتقاعد من جيش الاحتلال الإسرائيلي غاي هازوت، الذي يعمل باحثًا في “المعهد الوطني الإسرائيلي للأمن والسلامة”، إلى أن بقاء فرضيات الهجوم بين الانهيار أو الخيانة من الداخل، يزيد من وجهات النظر التي ترجح وجود مؤامرة أعقبت الهجوم.
ويقول في مقال بصحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية: “يؤمن نحو 40% من الإسرائيليين بنظرية الخيانة من الداخل بصيغة ما، وهي الادعاء بأن كبار المسؤولين الأمنيين كانوا على علم بالهجوم وتقاعسوا عن إحباطه بهدف الإطاحة بالحكومة اليمينية”.
ويضيف هازوت “يجد البشر صعوبة في التعايش مع عدم اليقين لفترات طويلة، فنحن نرغب في تفسيرات واضحة، وأسباب محددة، ومسؤوليات واضحة، ونريد علامات تعجب بدلاً من علامات استفهام، حول ظروف هذا الحدث”.
ويرى أن أبرز النظريات التي يتم طرحها، الادعاء بأن شخصيات بارزة في المؤسسة الدفاعية كانت على علم بالهجوم، وأخفت المعلومات، بل وتعمدت تجنب إحباطه، إلى جانب الادعاء بأن الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) عزلا رئيس الوزراء عن تفاصيله، ولم يطلعاه على آخر المستجدات خلال الليلة التي سبقت الهجوم.
ويشدد هازوت على أن حجم الخطأ الفادح، وعمق الفشل، وحقيقة أن حماس تمكنت من مباغتة وإرباك منظومة الدفاع الإسرائيلية في غرب النقب، والعديد من علامات الاستفهام التي لا تزال قائمة منذ ذلك الحين، خلق أرضًا خصبة لنظريات المؤامرة.
ويقول: إن “كارثة السابع من أكتوبر ليست يتيمة المسؤولية، بل كانت نتيجة سلسلة من الإخفاقات التي حدثت على ثلاثة مستويات في آن واحد، على المستوى الاستراتيجي السياسي، وعلى المستوى العسكري النظامي الرفيع، وعلى المستوى التكتيكي الذي كان يُنفذ على أرض الواقع في قطاع غزة”.
ويطرح هازوت، سؤالًا حول كيفية تمكن حماس من مباغتة أقوى جيش في الشرق الأوسط والتغلب عليه لساعات؟ وكيف استطاعت، بعد 50 عامًا من حرب أكتوبر، تنفيذ خطة خداعية ومفاجأة أجهزة الاستخبارات والإنذار الإسرائيلية.
ويبين أنه “مع مرور الوقت منذ ذلك اليوم، وبالتأكيد مع دخول النظام السياسي فترة الانتخابات، لا تختفي علامات الاستفهام، بل على العكس، تصبح أداة في الصراع على المسؤولية عن الكارثة”.
ويضيف هازوت أنه “ينبغي للجنة تحقيق أن تُدقّق في المعلومات بشأن الليلة التي سبقت الهجوم وكانت بحوزة من، وكيف تم تحليلها، وما هي القرارات التي اتُخذت، ولماذا”.
ويعتقد أن إدارة الحرب من أكثر المجالات تعقيدًا على الإطلاق، إذ تراكمت المعرفة النظرية في هذا المجال على مدى آلاف السنين، لكن الصعوبة الكبرى لا تكمن في المعرفة فحسب، بل في كيفية تطبيقها تحت الضغط، وفي ظل عدم اليقين، والخطر، والمعلومات الناقصة، بحسب ما يقول.
ويلفت هازوت إلى أن إدارة الحرب، تتم على 3 مستويات هي المستوى الاستراتيجي الذي تمثله القيادة السياسية التي تحدد الأهداف والتوجيهات العامة، والمستوى النظامي المتمثل في القيادة العسكرية العليا التي تترجم الأهداف إلى خطة عمل، والمستوى التكتيكي الذي تمثله القيادة العسكرية الميدانية التي تقرر كيفية تنفيذ الخطة.
ويذكر أن أحد أسباب فداحة فشل هجوم السابع من أكتوبر هو أنه لم يحدث على مستوى واحد فقط، بل تطور على المستويات الثلاثة جميعها، وفي لحظة الحقيقة انهارت جميعها معًا.
وحول الفشل الاستراتيجي السياسي، يشير هازوت إلى أن الحكومة الإسرائيلية انتهجت لسنوات طويلة سياسة تعميق الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، ولجأت إسرائيل إلى قطر للسماح بتدفق الأموال إلى حماس، خوفًا من التصعيد.
ويقول: “كان الهدف من هذه السياسة هو استقرار الوضع على المدى القصير، لكنها في الواقع ساهمت أيضًا في استمرار حكم حماس وبناء قوتها العسكرية استعدادًا لحرب مع إسرائيل”.
ويضيف أنه “في الوقت نفسه، تطورت قدرات عسكرية هجومية كبيرة في غزة ولبنان لأكثر من عقد، فقد أنشأ حزب الله وحماس قوات كوماندوز، مصممة للانتقال من العمليات الروتينية إلى شن هجمات على التجمعات السكنية في الجليل والنقب الغربي في غضون ساعات”.
ويذكر هازوت أن هذا كان واقعًا يتناقض مع المبادئ الأساسية للمفهوم الأمني الإسرائيلي، إذ امتنعت القيادة السياسية عن إصدار تعليمات لكبار المسؤولين العسكريين بشن حرب استباقية لإزالة هذا التهديد.
أما الفشل العسكري، فقد بنى جزءًا كبيرًا من استعداداته على الحدود الجنوبية والشمالية معتمدًا على قوات محدودة نسبيًا وعلى افتراض أن نظام الاستخبارات قادر على رصد أي تغيير في نوايا العدو وتقديم إنذار كافٍ في الوقت المناسب.
ويوضح: “بدلًا من بناء دفاع قادر على الصمود حتى في حال خطأ المعلومات الاستخباراتية، تم خلق اعتماد كبير على الإنذار. كان هذا ضعفًا بنيويًا”، مشيرًا إلى أن هذا التصور كان هو ما يحكم القرارات التكتيكية على الأرض.
وينوه هازوت إلى أن طبيعة الفشل على هذا النطاق، يجعل الفجوة بين قوة إسرائيل وما حدث في تلك الساعات شاسعة لدرجة أنه من الأسهل أحيانًا تصديق أن أحدهم أراد حدوث ذلك بدلًا من قبول احتمال أن تفشل أنظمة كبيرة ومهنية وذات خبرة بهذا الشكل الكامل.