بن معمر الحاج عيسى
لم يعد السابع من أكتوبر مجرد تاريخ محفور في ذاكرة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا مجرد يوم عسكري غيّر موازين الحرب والسياسة في المنطقة، بل أصبح نقطة فاصلة بين مرحلتين؛ مرحلة سبقت ذلك اليوم بكل وجوهها وشعاراتها وحساباتها، ومرحلة جديدة لم تتضح معالمها بالكامل بعد. وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن السؤال الأكثر إزعاجًا اليوم ليس فقط: ماذا حدث في السابع من أكتوبر؟ وإنما: ماذا سقط في ذلك اليوم، ومن الذي انتهت صلاحيته السياسية، ومن الذي سيبقى قادرًا على التأثير في المشهد الذي يتشكل بعده؟ فالحرب التي اندلعت بعد الهجوم لم تدمّر غزة وحدها، ولم تهز صورة إسرائيل الأمنية والسياسية فحسب، بل أصابت أيضًا بنية سياسية فلسطينية وإقليمية كاملة كانت قائمة على توازنات قديمة، وعلى وجوه اعتادت أن تكون حاضرة في كل معادلة، وعلى قوى ظلت تدير القضية الفلسطينية بدرجات متفاوتة من النفوذ منذ عقود.
في الجانب الإسرائيلي، كان بنيامين نتنياهو يعيش قبل السابع من أكتوبر واحدة من أصعب المراحل السياسية في مسيرته. فقد فجّر مشروع الإصلاح القضائي انقسامًا داخليًا غير مسبوق، وخرجت احتجاجات واسعة إلى الشوارع، بينما كانت الملفات القضائية التي تلاحقه تشكل ضغطًا سياسيًا مستمرًا. كان نتنياهو يواجه سؤالًا حقيقيًا حول قدرته على البقاء السياسي، وكانت حكومته تعيش على وقع أزمة داخلية عميقة. ثم وقع الهجوم، فتحولت الأولويات بصورة جذرية. اختفت تقريبًا، ولو مؤقتًا، معارك الإصلاح القضائي من مقدمة المشهد، وانتقلت إسرائيل إلى منطق الحرب والطوارئ، وتحول رئيس الحكومة الذي كان يواجه احتجاجات وضغوطًا سياسية إلى رئيس حكومة حرب يقود البلاد في واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيسها.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية القاسية: السابع من أكتوبر كان، من جهة، أكبر إخفاق أمني وسياسي في عهد نتنياهو، لكنه من جهة أخرى منحه مساحة سياسية لم يكن يحلم بها قبل ساعات من وقوع الهجوم. الحرب أرجأت الحسابات الداخلية، وأعادت ترتيب المشهد السياسي الإسرائيلي، ومنحت الحكومة مبررًا للاستمرار تحت عنوان الحرب والأمن والرد على الهجوم. غير أن تأجيل الحساب لا يعني إلغاءه. فكلما اقتربت إسرائيل من مرحلة ما بعد الحرب، ستعود الأسئلة التي طغت عليها أصوات المدافع: كيف حدث الاختراق؟ لماذا لم تُكتشف العملية؟ ماذا كانت تعرف الأجهزة الأمنية؟ هل وصلت تحذيرات سابقة؟ وكيف جرى التعامل معها؟ ومن المسؤول عن الإخفاق؟ ولهذا فإن اليوم الذي بدا وكأنه أنقذ نتنياهو سياسيًا في المدى القصير، قد يتحول، مع فتح ملفات التحقيق والمحاسبة، إلى يوم الحساب الأكبر في مسيرته السياسية.
وتزداد حساسية هذه الأسئلة مع ما أثير في تقارير إسرائيلية حول تحذيرات سبقت الهجوم. فالتقارير التي تحدثت عن معلومات وتحذيرات وصلت إلى مستويات سياسية قبل السابع من أكتوبر تفتح بابًا شديد الخطورة، ليس فقط لأنها تتعلق بالمسؤولية عن الإخفاق، وإنما لأنها تمس جوهر العلاقة بين القرار السياسي والمؤسسة الأمنية. وإذا ثبت أن تحذيرًا موثوقًا وصل فعلًا ولم يُتعامل معه بالجدية المطلوبة، فإن القضية تتجاوز مفهوم الخطأ الاستخباراتي إلى سؤال سياسي وأخلاقي يتعلق بمسؤولية القيادة. لكن في الوقت نفسه، يجب الفصل بين ما ورد في التحقيقات الصحفية وما تثبته لجان التحقيق الرسمية، لأن تحميل المسؤوليات في مثل هذه القضايا لا يمكن أن يقوم على التسريبات أو الروايات المتداولة وحدها.
غير أن اختزال المشهد في نتنياهو سيكون خطأ تحليليًا. فالسابع من أكتوبر لم يضرب رأس الحكومة الإسرائيلية فقط، بل أصاب منظومة كاملة من التصورات السياسية التي حكمت الصراع خلال السنوات السابقة. لقد انهارت فكرة أن الصراع يمكن إدارته إلى أجل غير مسمى من دون حل سياسي، وأن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها اقتصاديًا أو أمنيًا، وأن غزة يمكن فصلها عن القضية الفلسطينية الأوسع، وأن الانقسام الفلسطيني يمكن أن يستمر دون تكلفة استراتيجية. بعد الحرب، أصبح واضحًا أن هذه المعادلات لم تعد تعمل بالطريقة القديمة.
أما على الجانب الفلسطيني، فإن الصورة أكثر قسوة. غزة دفعت الثمن الأكبر من حيث الدمار والخسائر الإنسانية والمادية، وأصبح مستقبل القطاع نفسه موضوعًا لمفاوضات دولية وإقليمية معقدة. وفي الوقت ذاته، تعرضت حركة حماس لضربة عسكرية وسياسية هائلة، رغم استمرار قدرتها على التأثير في المعادلة الفلسطينية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تستطيع الحركة العودة إلى إدارة غزة بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب؟ وهل يمكن أن تستمر المعادلة التي حكمت القطاع منذ سنوات في ظل حجم الدمار والتحولات الإقليمية والدولية؟
وفي الضفة الغربية، تبدو السلطة الفلسطينية أمام أزمة مختلفة. فالرئيس محمود عباس يقف في نهاية مرحلة سياسية طويلة، وسط تراجع كبير في الثقة الشعبية، وتعقيدات مرتبطة بشرعية المؤسسات الفلسطينية، ومستقبل السلطة، وترتيبات اليوم التالي للحرب. ولم يعد السؤال فقط حول استمرار السلطة، وإنما حول شكل النظام السياسي الفلسطيني كله، وحول إمكانية إنتاج قيادة جديدة تستطيع استعادة الثقة، وإعادة بناء المؤسسات، وتحويل القضية من إدارة أزمة دائمة إلى مشروع سياسي قادر على مخاطبة العالم والفلسطينيين معًا.
أما محمد دحلان، الذي كان لسنوات اسمًا حاضرًا في الحسابات المتعلقة بمستقبل القيادة الفلسطينية، فإن عودته إلى النقاشات المتعلقة بغزة لا تعني بالضرورة عودة المشهد إلى ما كان عليه. فالمعادلة تغيرت. الإقليم تغير، وغزة تغيرت، وأولويات القوى الدولية تغيرت، كما أن المجتمع الفلسطيني نفسه لم يعد ينظر بالضرورة إلى الخيارات القديمة بالطريقة ذاتها. لذلك فإن أي محاولة لإعادة تدوير الأسماء من دون تغيير قواعد اللعبة ستواجه مشكلة جوهرية: الزمن السياسي الذي أنتج تلك الأسماء لم يعد موجودًا بالشكل نفسه.
والأمر ينطبق كذلك على بقية القوى والفصائل الفلسطينية، بما فيها الفصائل التاريخية في منظمة التحرير، والتي تجد نفسها أمام سؤال وجودي يتعلق بدورها ومستقبلها. فالمشكلة لم تعد في اسم هذا الفصيل أو ذاك، وإنما في قدرة النظام السياسي الفلسطيني برمته على إنتاج مشروع جديد. لقد استُهلكت لغة الانقسام، واستُهلكت لغة التسويات المؤجلة، واستُهلكت كذلك فكرة أن إدارة الانقسام يمكن أن تكون بديلًا عن بناء نظام سياسي فلسطيني موحد.
ومن هنا يمكن فهم السابع من أكتوبر باعتباره لحظة كشفت هشاشة المنظومة القديمة أكثر مما كشفت قوة منظومة جديدة. فالهجوم كشف ثغرات إسرائيلية عميقة، والحرب كشفت حدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية نهائية، والدمار كشف حجم الكلفة التي يدفعها الفلسطينيون، بينما كشفت الأزمة السياسية الفلسطينية أن استمرار القيادة بالآليات القديمة لم يعد كافيًا لمواجهة المرحلة الجديدة.
إن القضية الفلسطينية اليوم تحتاج إلى ما هو أكبر من تبديل الوجوه. تحتاج إلى إعادة تأسيس للمسار السياسي نفسه. المطلوب ليس فقط تغيير أسماء في مواقع السلطة، ولا استبدال فصيل بفصيل، ولا إعادة إنتاج الصراعات القديمة بوجوه جديدة، وإنما بناء عقد سياسي فلسطيني جديد يقوم على الوحدة الوطنية، والمؤسسات، والانتخابات، وتجديد الشرعيات، وربط المقاومة والسياسة بالمصلحة الوطنية العليا، ووضع استراتيجية واضحة للتعامل مع المجتمع الدولي، بعيدًا عن الارتهان للمحاور الإقليمية أو الحسابات الشخصية.
الفلسطينيون بحاجة إلى مسار جديد لأن استمرار الصيغة القديمة يعني إعادة إنتاج النتيجة نفسها. وإذا كان السابع من أكتوبر قد أسقط وهم الاستقرار الأمني الإسرائيلي، فإنه يجب ألا يتحول إلى ذريعة لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني. وإذا كانت الحرب قد كشفت فشل كثير من الحسابات السياسية، فإن الدرس الحقيقي يجب أن يكون بناء منظومة فلسطينية قادرة على اتخاذ القرار بصورة جماعية، وعلى حماية القضية من التحول إلى مجرد ورقة في صراعات الآخرين.
لقد سقطت الكثير من المسلمات بعد السابع من أكتوبر، لكن سقوط المسلمات لا يعني تلقائيًا ولادة البديل. وهذه هي المشكلة الأكبر. فغياب البديل قد يجعل الفراغ أخطر من المنظومة التي انهارت. وإذا كانت إسرائيل تبحث عن صيغة جديدة لإدارة أمنها وعلاقتها بالفلسطينيين، وإذا كانت القوى الإقليمية تعيد حساباتها، وإذا كانت واشنطن والعواصم الأوروبية تبحث عن ترتيبات جديدة للمنطقة، فإن الفلسطينيين لا يمكن أن يكونوا مجرد متلقين للخطط التي تُرسم لهم.
السؤال إذن ليس: هل سقط نتنياهو؟ وهل سقطت حماس؟ وهل انتهت مرحلة محمود عباس؟ وهل عاد دحلان؟ السؤال الأعمق هو: هل انتهت فعلًا المنظومة التي صنعت هذه الأسماء أم أننا سنعيد إنتاجها بأسماء جديدة؟
السابع من أكتوبر قد يكون يوم الإنقاذ المؤقت لبعض السياسيين، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح يوم الحساب التاريخي لمنظومة كاملة. فالأيام لا تحاسب السياسيين فقط على ما فعلوه، بل تحاسبهم أيضًا على ما لم يفعلوه، وعلى التحذيرات التي تجاهلوها، والفرص التي أضاعوها، والسنوات التي مرت دون أن يقدموا لشعوبهم مخرجًا حقيقيًا.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون الهدف الفلسطيني هو إسقاط شخص واستبداله بشخص، أو إسقاط فصيل وتسليم المشهد لفصيل آخر. الهدف يجب أن يكون إسقاط عقلية سياسية كاملة قامت على احتكار القرار، وإدارة الانقسام، وتأجيل الاستحقاقات، وتدوير الوجوه، والعيش على أزمات متراكمة بلا أفق.
لقد تغيرت المنطقة بعد السابع من أكتوبر، وتغيرت إسرائيل، وتغيرت غزة، وتغيرت حسابات السلطة والفصائل والدول الإقليمية. لذلك فإن فلسطين أيضًا بحاجة إلى أن تتغير سياسيًا، لا بمعنى التخلي عن ثوابتها، بل بمعنى امتلاك أدوات جديدة للدفاع عنها.
فالسؤال الحقيقي الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس من سيحكم غزة، ولا من سيكون رئيس الحكومة الإسرائيلية، ولا أي اسم سيجلس في رام الله، بل: هل يستطيع الفلسطينيون إنتاج مشروع وطني جديد قبل أن تنتج القوى الأخرى مستقبل فلسطين بالنيابة عنهم؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لما بعد السابع من أكتوبر. فإذا كان هذا اليوم قد كشف سقوط منظومات قديمة، فإن التاريخ لن يرحم الفلسطينيين إذا اكتفوا بمشاهدة سقوطها ثم أعادوا بناءها بالوجوه نفسها، والعقلية نفسها، والأخطاء نفسها.
السابع من أكتوبر لم يفتح فقط معركة جديدة… بل فتح بابًا على نهاية حقبة. والسؤال الآن ليس من سقط، وإنما من يملك الشجاعة لبناء ما بعد السقوط.