جاري التحميل...

اخلع نعليك،،

ما أغرب هذا النداء في لحظةٍ ستغيّر وجه التاريخ:

﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.

كان موسى عليه السلام قد قطع الطريق، ووصل إلى المكان الذي سيبدأ منه التكليف العظيم.

ومع ذلك، لم يقل له الله أولًا: اذهب إلى فرعون.

قال له: اخلع نعليك.

والأجمل أن القرآن لم يقل: إنك رجلٌ مقدس.

قال: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾.

فالقداسة للمكان، وللمقام الذي دخله موسى عليه السلام، وليست امتيازًا للشخص الذي وقف فيه.

وهنا، في ظني، تكمن الحكمة.

حين يتغير المقام، يجب أن تتغير طريقة الوقوف فيه.

النعلان كانا من أدوات الطريق، يحميان القدم، ويقيانها وعثاء السفر. لكن ما كان مناسبًا للرحلة، لم يعد مناسبًا للمقام.

وكذلك المسؤوليات.

قد تكون المهمة التنفيذية التي حملتها سنوات هي التي صنعت خبرتك، وعرّفت الناس بك، وأوصلتك إلى موقعك الجديد. لكن حين تصل إلى مقام أعلى، لا يجوز أن تتحول خبرتك السابقة إلى حجاب يحجب عنك مقتضيات التكليف الجديد.

وهنا يقع الخلط الذي يرهق التنظيمات.

مسؤول يصعد إلى أعلى هرم تنظيمي، لكنه يرفض أن يترك مهمته التنفيذية.

يريد المقام الأعلى… وأدوات المقام الأدنى.

يريد أن يقود المؤسسة، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بمفاتيح الملفات التنفيذية التي كان يديرها.

وهنا لا يعود الأمر حرصًا على العمل.

إنه عدم فهم للانتقال.

فالقيادة العليا ليست أن تجمع الصلاحيات في يدك، بل أن تعرف أيّ صلاحية أصبحت عبئًا على موقعك الجديد.

ليست أن تحتفظ بكل رجالك، بل أن تثق برجال المؤسسة.

وليست أن تقول: أنا أستطيع أن أفعل كل شيء.

بل أن تقول: هذا دوري، وهذا دور غيري، وهذه أمانة المؤسسة.

فالذي يدخل أعلى الهرم التنظيمي وهو يحمل معه كامل أدوات موقعه القديم، قد يكون قد غيّر كرسيه، لكنه لم يغيّر موقعه في نفسه.

أما القائد الذي يفهم الحكمة، فيعرف أن المقام الجديد ليس ملكًا له، فهو الذي أصبح مملوكًا للمسؤولية.

وهذه هي النقطة التي تستحق أن تُكتب بماء القلب:

كلما ارتفع المقام، وجب أن يقلّ التعلق بالأدوات.

فالموقع الأعلى ليس بابًا لمزيد من النفوذ، بل بابٌ لمزيد من التجرد.

وحين تنتقل من التنفيذ إلى القيادة، فليس السؤال: ماذا سأضيف إلى ما أملك؟

بل:

ماذا يجب أن أخلع حتى لا أُفسد ما اؤتمنت عليه؟

لم يخلع موسى نعليه لأنهما سيئان.

خلعهما لأن المقام تغيّر.

وهذه سنة في الحياة قبل أن تكون درسًا في التنظيم:

قد يكون الشيء صالحًا لك في الطريق، ثم يصبح غير صالح لك عند الوصول.

وقد تكون الصلاحية التي صنعت نجاحك بالأمس، هي نفسها التي تمنع المؤسسة من أن تتقدم غدًا.

لذلك…

إذا تغيّر التكليف، فتغيّر.

إذا ارتفع المقام، فتجرّد.

وإذا وصلت إلى بابٍ جديد، فلا تدخل إليه بكل ما حملته من الطريق.

بعض الأشياء لا ينبغي أن تأخذها معك.

أحيانًا يكون أول واجبٍ في المقام الجديد…

أن تخلع نعليك.