جاري التحميل...

أبو مازن أمام ثوري فتح.. حين تصبح وحدة الحركة حمايةً للقرار الوطني

بقلم: م.محمد علي العايدي

لم تكن كلمة الرئيس محمود عباس أمام الدورة الأولى للمجلس الثوري لحركة فتح مجرد كلمة افتتاحية في اجتماع تنظيمي، بل جاءت في لحظة سياسية فلسطينية استثنائية، تتقاطع فيها محاولات الاحتلال لفرض وقائع جديدة، مع محاولات أخرى لإعادة رسم المشهد الفلسطيني، وربما إنتاج واقع سياسي يتجاوز منظمة التحرير والقرار الوطني المستقل.

ومن هنا، فإن أهمية الكلمة لا تكمن فقط في مضمون ما قيل، وإنما في المكان والتوقيت والجهة التي وُجّهت إليها الرسالة.

أمام المجلس الثوري، وبحضور أعضاء اللجنة المركزية وفي مقدمتهم الأخ محمود العالول، كان المشهد يحمل رسالة واضحة: فتح أمام مرحلة جديدة، وقيادتها مطالبة بأن تستعيد المبادرة، وأن تحسم أولوياتها، وأن تدرك أن قوة الحركة في هذه المرحلة ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرط من شروط حماية المشروع الوطني الفلسطيني.

فالرئيس أبو مازن عندما يؤكد على وحدة الشعب والأرض والقضية، وعلى منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وعلى استقلالية القرار الفلسطيني، فإنه لا يتحدث عن شعارات محفوظة، وإنما يضع خطوطًا سياسية حمراء في مواجهة محاولات تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إقليمي، أو التعامل مع غزة والضفة والقدس كملفات منفصلة، أو البحث عن صيغ قيادية وبدائل سياسية من خارج الشرعية الوطنية.

وهنا تحديدًا تقع مسؤولية فتح.

فالحركة التي كانت وما زالت العمود الفقري للمشروع الوطني لا تستطيع أن تنظر إلى ما يجري من حولها باعتباره مجرد خلافات فلسطينية عابرة. هناك صراع حقيقي على التمثيل، وعلى القرار، وعلى شكل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى الجهة التي ستملك حق الحديث باسم الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة.

ولذلك فإن استهداف فتح أو إضعافها لا يمكن فصله عن استهداف المشروع الوطني نفسه.

لكن الدفاع عن فتح لا يكون بالشعارات وحدها. فتح بحاجة إلى أن تنتصر على نقاط ضعفها الداخلية قبل أن تواجه خصومها في الخارج. بحاجة إلى وحدة حقيقية، وتجديد تنظيمي، ومؤسسات قوية، وإفساح المجال أمام الكفاءات والأجيال الجديدة، وإنهاء ثقافة الحسابات الشخصية وصراع المواقع التي أرهقت الحركة وأضعفت حضورها في بعض المراحل.

ومن هنا تبرز دلالة حضور محمود العالول إلى جانب الرئيس و اخوانه أعضاء اللجنة المركزية أمام المجلس الثوري. فالعالول، باعتباره أحد أبرز وجوه القيادة الفتحاوية، يمثل مع قيادة الحركة أمام هذه المؤسسة التنظيمية استحقاقًا كبيرًا: أن تتحول المرحلة الجديدة من مجرد إعادة ترتيب مؤسسات فتح إلى إعادة بناء قدرتها السياسية والجماهيرية والتنظيمية.

فالمطلوب ليس فتحًا تخشى الاختلاف، وإنما فتح تعرف كيف تدير اختلافاتها دون أن تسمح بتحولها إلى انقسام. وليس المطلوب قيادة مغلقة على نفسها، وإنما قيادة تستمد قوتها من قواعد الحركة وكوادرها ومن تاريخها النضالي ومن قدرتها على التجدد.

لقد أثبتت التجربة أن فتح تكون أقوى عندما تكون فلسطين هي البوصلة، وعندما يكون القرار الوطني فوق الحسابات الشخصية والفئوية، وعندما تتقدم المصلحة الوطنية على صراع المواقع.

واليوم، يبدو أن الرسالة الأهم في كلمة أبو مازن هي أن المرحلة لم تعد تحتمل ترف الانتظار.

فمن يريد إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني سيستفيد من أي فراغ، ومن أي انقسام، ومن أي ضعف داخل فتح. ومن يريد تجاوز منظمة التحرير سيبحث عن لحظة ضعفها. ومن يريد إنتاج بديل للقرار الوطني سيجد في الانقسام الفلسطيني مدخلًا مناسبًا.

ولهذا فإن معركة فتح في المرحلة المقبلة ليست على موقع في السلطة، ولا على حصة في نظام سياسي، وإنما على المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.

وهنا يجب أن تدرك الحركة أن الحفاظ على تاريخها لا يعني الوقوف عند الماضي، بل امتلاك الجرأة على تجديد نفسها حتى تبقى قادرة على قيادة المستقبل.

كلمة أبو مازن أمام المجلس الثوري يجب ألا تنتهي بانتهاء الاجتماع. المطلوب أن تتحول إلى فعل سياسي وتنظيمي: وحدة داخلية، مؤسسات قوية، تجديد حقيقي، واستعادة ثقة الشارع، وتمسك لا لبس فيه بمنظمة التحرير وبالقرار الوطني المستقل.

فلسطين اليوم أمام مرحلة قد تعيد رسم الكثير من قواعد اللعبة.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن تكون فتح موجودة؛ المطلوب أن تكون حاضرة، موحدة، يقظة وقادرة على المبادرة.

ذلك هو التحدي الحقيقي أمام أبو مازن واللجنة المركزية والمجلس الثوري، وتلك هي مسؤولية فتح أمام شعبها وتاريخها.

فالرهان لم يعد فقط على قدرة فتح على حماية نفسها، وإنما على قدرتها على حماية المسار الوطني الفلسطيني من أن يصبح مستقبل فلسطين قرارًا يصنعه الآخرون.

وفي النهاية، تبقى المعادلة واضحة: عندما تكون فتح قوية بوحدتها، تكون فلسطين أقوى بقرارها؛ وعندما يضعف القرار الوطني، يصبح الجميع أمام خطر أن يقرر الآخرون مستقبل قضيتنا نيابه عنا