الجزائر: أمل النهوض العربي والإسلامي وحصن الحرية في أفريقيا
بقلم الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
ليست الجزائر مجرد دولة عربية تقع في المغرب العربي، وليست مجرد جغرافيا تفصل بين المشرق والمغرب؛ إنما هي ذاكرة تاريخية حيّة للعروبة والتحرر ومقاومة الاستعمار. فمن رحم ثورتها الكبرى خرجت تجربة إنسانية وسياسية جعلت من الحرية قيمة لا تقبل المساومة، ومن السيادة الوطنية مبدأ لا يجوز التفريط فيه.
ومن هنا، فإن الحديث عن الجزائر بوصفها سندًا للعروبة والمسلمين ليس خطابًا عاطفيًا فحسب، بل هو قراءة لدورها التاريخي وموقعها الاستراتيجي وثقلها السياسي في المنطقة.
لقد أثبتت الجزائر، عبر تاريخها، أن القضية العربية ليست مجموعة ملفات منفصلة، وأن فلسطين ليست قضية فلسطينية فقط، بل هي قضية تتصل بالضمير العربي والإنساني، وبمبدأ حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.
الجزائر وفلسطين: ذاكرة ثورتين
من قلب الجزائر، التي دفعت مليونًا ونصف المليون شهيد في سبيل حريتها، يمكن فهم معنى فلسطين بصورة أعمق. فالجزائري الذي عرف الاستعمار والاقتلاع والقتل والتهجير، يستطيع أن يدرك بصورة وجدانية وتاريخية معنى أن يُقتلع شعب من أرضه وأن يُحرم من حقه في العودة والعيش بحرية.
ولهذا بقيت فلسطين حاضرة في الوجدان الجزائري، وبقيت الجزائر بالنسبة للفلسطينيين نموذجًا للدولة التي لم تتخلَّ عن مبدأ التحرر الوطني.
ومن قلبي الفلسطيني أقول: ستبقى فلسطين في قلب الجزائر، وستبقى الجزائر في قلب فلسطين.
الجزائر وأمل النهوض العربي والإسلامي
إن العالم يدخل مرحلة تاريخية جديدة تتجه فيها موازين القوة نحو قدر أكبر من التعددية الدولية، مع صعود أدوار قوى كبرى مثل الصين وروسيا، وتراجع احتكار طرف واحد للقرار الدولي.
وفي هذا التحول، يمكن للجزائر أن تكون جزءًا من الأمل العربي والإسلامي في بناء مرحلة جديدة، تقوم على استقلال القرار، والتنمية، والعلم، والتكنولوجيا، والتعاون الاقتصادي، واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
فالنهضة العربية والإسلامية لن تكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء الإنسان، وتطوير الجامعات، وتعزيز الاقتصاد، وإنتاج المعرفة والتكنولوجيا، وتكوين مؤسسات قوية قادرة على حماية الاستقلال الوطني.
والجزائر بما تمتلكه من تاريخ وثقل جغرافي وسياسي وثروات بشرية وطبيعية، قادرة على أن تؤدي دورًا محوريًا في هذا المسار.
الجزائر وخط الدفاع عن المنطقة
ومن المنظور السياسي والاستراتيجي، أرى أن الجزائر تمثل أحد أهم خطوط الدفاع العربية والإفريقية عن استقلال القرار الوطني، وعن رفض تحويل المنطقة إلى مجال للهيمنة أو التبعية.
وفي مقدمة القضايا التي تستحق موقفًا واضحًا تأتي القضية الفلسطينية، ورفض المشروع الصهيوني حين يتحول إلى مشروع للهيمنة والتوسع وإخضاع المنطقة لمنطق القوة.
لكن الدفاع عن فلسطين لا يعني العداء للشعوب أو للأديان، بل يعني الدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وعن العدالة وحق الشعوب في الحرية والسيادة.
الجزائر وحماية أفريقيا من عودة الاستعباد
أما أفريقيا، فهي تحتاج اليوم إلى استكمال مسار التحرر الذي بدأته حركات الاستقلال في القرن العشرين.
لقد عانت القارة طويلًا من الاستعمار والاستغلال ونهب الموارد والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن الجزائر، بما تحمله من إرث ثوري أفريقي، تستطيع أن تكون صوتًا قويًا من أجل أفريقيا حرة، مستقلة، مالكة لقرارها وثرواتها ومستقبلها.
والجزائر، في رؤيتي، ليست حارسًا لأفريقيا ضد شعب أو دولة بعينها، وإنما هي حارس لمبدأ الحرية الأفريقية ورفض عودة الاستعباد بأشكاله القديمة أو الجديدة؛ سواء جاء في صورة احتلال مباشر، أو هيمنة اقتصادية، أو وصاية سياسية، أو استغلال للثروات، أو فرض للإرادة الخارجية.
إن أفريقيا لا ينبغي أن تعود إلى زمن يُقرر فيه الآخرون مصيرها من خارجها.
الجزائر… طليعة العروبة والتحرر
ولهذا أقول إن الجزائر يمكن أن تكون طليعة في الدفاع عن العروبة، وعن استقلال القرار العربي، وعن كرامة الإنسان المسلم والعربي والأفريقي، دون أن يعني ذلك الانغلاق على العالم أو الدخول في صراع دائم مع الآخرين.
فالجزائر التي صنعت ثورتها تستطيع أن تصنع نهضتها.
والجزائر التي هزمت الاستعمار تستطيع أن تنتصر في معركة العلم والمعرفة والتنمية.
والجزائر التي وقفت مع فلسطين تستطيع أن تواصل الوقوف مع حق الشعوب في الحرية.
إننا أمام عالم جديد يتشكل، والسؤال ليس فقط: من يقود النظام الدولي الجديد؟
بل السؤال الأهم: أين سيكون العرب والمسلمون وأفريقيا في هذا النظام؟
وهنا أرى أن الجزائر تستطيع أن تكون أحد الجسور التي تصل الأمة العربية وأفريقيا بالعالم الجديد، وأن تساهم في بناء نظام دولي أكثر توازنًا وتعددية، يحترم سيادة الدول ولا يسمح بتحويل الشعوب إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى.
من قلب فلسطيني إلى الجزائر
أنا فلسطيني، لكنني أقولها بكل فخر: أنا ابن الجزائر الذي تعلم وتتلمذ وكبر ونما في أحضان الجزائر.
ولهذا فإن حديثي عن الجزائر ليس حديث مراقب من بعيد، وإنما حديث إنسان ارتبط بهذه الأرض وجدانيًا وفكريًا وتاريخيًا.
أرفع راية الجزائر عاليًا، وأرى فيها وطنًا احتضن أبناء فلسطين، وثورةً علمت العالم أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، ودولةً تستطيع أن تكون سندًا للعروبة، وداعمًا لفلسطين، وشريكًا في نهضة أفريقيا، وصوتًا في عالم يتجه نحو التعددية.
الجزائر ليست فقط سندًا للعروبة والمسلمين؛ الجزائر أمل في أن تستعيد الأمة العربية والإسلامية وأفريقيا ثقتها بذاتها، وبقدرتها على صناعة مستقبلها.
ومن الجزائر، من أرض الشهداء، أقول:
الوفاء للجزائر، والوفاء لفلسطين.
تحيا الجزائر، وتحيا فلسطين.
والمجد والخلود لشهداء الجزائر وفلسطين.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2