بقلم المحللة السياسية الدكتورة تمارا حداد.
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في 27 تشرين الأول 2026 ليست مجرد انتخابات لتغيير حكومة، بل تبدو أقرب إلى استفتاء على حقبة نتنياهو كلها، وعلى مستقبل اليمين الإسرائيلي، وعلى شكل العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين والمنطقة.
المؤشرات الحالية تعطي أفضلية للمعارضة، لكنها لا تعني سقوط نتنياهو تلقائياً. فبعد إغلاق القوائم الانتخابية يمنح حسب استطلاعات الراي حزب يشار بزعامة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت 25 مقعداً مقابل 21 لليكود بزعامة نتنياهو وهي متغيرة. وفي حساب الكتل، تحصل المعارضة الصهيونية على 57 مقعداً، مقابل 52 لكتلة نتنياهو، بينما تحصل الأحزاب العربية على 11 مقعداً. أي أن أياً من المعسكرين الصهيونيين لا يملك وحده 61 مقعداً لتشكيل الحكومة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية نتنياهو قد يخسر الانتخابات من حيث عدد المقاعد، لكنه يستطيع أن يبقى رئيساً للوزراء إذا نجح في تركيب ائتلاف من 61 نائباً، بينما يستطيع آيزنكوت أن يفوز انتخابياً ولا يستطيع تشكيل حكومة إذا بقيت المعارضة منقسمة. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط نتنياهو أم آيزنكوت؟
بل من يستطيع تشكيل ائتلاف الـ61.
هذه الانتخابات مختلفة بسبب أن هناك خمسة عوامل منها تراجع هيمنة نتنياهو، حيث يدخل الانتخابات وهو في أضعف وضع سياسي منذ سنوات.
فهو لم يعد يخوض الانتخابات من موقع الزعيم الذي يملك احتكاراً شبه كامل للمعسكر اليميني، بل أصبح يواجه منافسين من داخل اليمين والوسط، فضلاً عن المعارضة.
العامل الأخطر على نتنياهو هو تفكك اليمين، وهذه ربما أهم نقطة في التقدير. ونتنياهو يحتاج إلى الأحزاب اليمينية والدينية لكي يصل إلى 61 مقعداً، لكن هذه الأحزاب نفسها أصبحت تنافس بعضها البعض. فاحزاب اليمين الليكود، شاس، يهدوت هتوراه، الصهيونية الدينية، قوة يهودية بقيادة بن غفير، حزب عوفر فينتر. وقوى يمينية أخرى.
المشكلة أن بعض هذه الأحزاب أصبح يخشى خسارة نفوذه لمصلحة الآخر. كما أن نتنياهو حاول توحيد اليمين لتجنب ضياع الأصوات التي لا تتجاوز نسبة الحسم، وهي 3.25%. وقد نجح جزئياً في توحيد بعض القوائم، لكن بن غفير رفض العودة إلى تحالف سابق مع سموتريتش، بينما دخلت أحزاب يمينية صغيرة في منافسة منفصلة. وهذا يعني أن الخطر على نتنياهو قد لا يأتي من آيزنكوت، وإنما من الأصوات اليمينية التي تضيع بسبب الانقسام.
ايضا آيزنكوت يتحول إلى البديل الأكثر جدية وصعوده مهم جداً. فهو ليس سياسياً مدنياً تقليدياً، وإنما رئيس أركان سابق، وله صورة أمنية قوية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في الانتخابات الإسرائيلية، لأن المجتمع الإسرائيلي لا ينتقل بسهولة من اليمين إلى اليسار، لكنه قد ينتقل من يمين نتنياهو إلى يمين/وسط أمني أكثر اعتدالاً. آيزنكوت يستطيع أن يقول للناخب الإسرائيلي أنا لا أقدم لك التخلي عن الأمن، وإنما أقدم قيادة أمنية مختلفة عن نتنياهو. وهذا ما يجعل صعوده أكثر خطورة على نتنياهو من صعود شخصية يسارية.
هناك عامل ملف 7 أكتوبر أصبح قضية انتخابية مركزية، لأول مرة منذ سنوات، يتحول السؤال داخل إسرائيل من هل نتنياهو قادر على حماية إسرائيل؟ الى هل نتنياهو نفسه كان جزءاً من الفشل الأمني الذي أدى إلى 7 أكتوبر؟ وهذا تطور سياسي بالغ الخطورة عليه. فالمعارضة تستخدم إخفاقات 7 أكتوبر والحرب الطويلة كدليل على فشل القيادة السياسية، بينما يرفض نتنياهو تحمل المسؤولية السياسية الكاملة.
وتزداد حساسية الموضوع مع استمرار المطالب بلجنة تحقيق مستقلة، ومع تقارير جديدة تتناول ما إذا كان نتنياهو تلقى تحذيرات قبل هجوم حماس. لذلك ستكون الانتخابات عملياً أيضاً استفتاءً على مسؤولية نتنياهو عن 7 أكتوبر.
ايضا الحرب على غزة أصبحت سلاحاً انتخابياً هنا يجب الانتباه إلى مفارقة مهمة. نتنياهو سيحاول تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي باعتباره الرجل الوحيد القادر على منع قيام دولة فلسطينية، والقادر على مواصلة الضغط العسكري والأمني على غزة.
لكن المعارضة يمكن أن ترد إذا كان نتنياهو حقق الانتصار، فلماذا بقيت إسرائيل في حالة حرب واستنزاف سياسي وأمني وهذا يفسر جزئياً لماذا أصبحت قضايا غزة والتهجير ومستقبل الحرب جزءاً من المنافسة الانتخابية.
وفي الأيام الأخيرة أعاد حلفاء نتنياهو من اليمين المتطرف طرح فكرة إخراج الفلسطينيين من غزة تحت عنوان الهجرة الطوعية، في خطوة يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها محاولة لتعبئة جمهور اليمين قبيل الانتخابات.
أما الضفة الغربية ستكون حاضرة بقوة من الخطأ النظر إلى الانتخابات باعتبارها مرتبطة بغزة فقط. ايضا الضفة الغربية ستكون أحد الملفات الأساسية للحملة.
اليمين سيحاول تقديم الاستيطان باعتباره حقاً إسرائيلياً. وسيتم السيطرة الأمنية الكاملة. ومنع قيام دولة فلسطينية. وتوسيع المستوطنات. وفرض واقع جغرافي جديد.
بينما سيحاول الوسط والمعارضة طرح فكرة إعادة ترتيب العلاقة مع الفلسطينيين، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة تبني حل الدولتين بصورة كاملة.
ومن هنا فإن تغيير الحكومة الإسرائيلية لا يعني تلقائياً حدوث تحول جذري في القضية الفلسطينية.هذه نقطة مهمة جداً في التقدير الفلسطيني.
أما العامل الحاسم الآخر هو إيران ولبنان وسوريا الناخب الإسرائيلي يدخل الانتخابات بعد سنوات من تعدد الجبهات غزة و إيران ،لبنان ،سوريا ،الضفة الغربية. وهذا جعل الأمن هو القضية المركزية.
لكن المفارقة أن استمرار الحروب قد يعمل في الاتجاهين. لمصلحة نتنياهو يمكنه القول ان إسرائيل تحتاج إلى قيادة قوية في مواجهة إيران وحزب الله وحماس والجبهات الإقليمية. وهذا الخطاب يمكن أن يعيد جزءاً من الناخبين إلى اليمين.
ويمكن للمعارضة القول إن القيادة التي وعدت بالأمن أنتجت سنوات من الحروب والاستنزاف وعدم الاستقرار.
حتى داخل المجتمع الإسرائيلي توجد شكوك حول نتائج الحرب مع إيران إذ أظهر مسح لمعهد دراسات الأمن القومي أن 43% رأوا أن الحرب انتهت بلا حسم، و37% اعتبروا أن إيران خرجت منتصرة، بينما رأى 15% فقط أن إسرائيل انتصرت. كما بلغ مستوى الثقة المرتفع بنتنياهو 31% مقابل 67% ثقة منخفضة.
العامل الآخر في تلك الانتخابات وهي أزمة الحريديم والجيش هذه قنبلة سياسية داخلية. والخلاف حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
نتنياهو يحتاج إلى الأحزاب الحريدية لبقاء حكومته، لكنه يدفع ثمناً سياسياً لدى قطاعات من الجمهور التي ترى أن جنود الاحتياط يتحملون عبء الحرب بينما يحصل آخرون على إعفاءات.
وهذه القضية قد تكون عاملاً مهماً في انتقال أصوات من الليكود إلى أحزاب الوسط.
وقد أظهرت استطلاعات أن الانقسام حول القضية كبير جداً بين ناخبي الائتلاف والمعارضة.
أما العامل الاقتصادي فالحرب الطويلة تترك آثاراً اقتصادية وسياسية. ولذلك فإن الاقتصاد قد يصبح عاملاً إضافياً ضد نتنياهو إذا شعر المواطن أن العبء الأمني تحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي طويل الأمد.
أما السيناريوهات المحتملة منها حكومة نتنياهو من جديد وهو قائم، لكنه أصعب من السابق. يحدث إذا نجح اليمين في توحيد صفوفه. و تجاوزت الأحزاب الصغيرة نسبة الحسم. و احتفظ الحريديم بولائهم لنتنياهو. وحدث تصويت تكتيكي واسع ضد المعارضة. و استطاع نتنياهو إعادة تعبئة الناخبين حول الخطر الإيراني والفلسطيني.
وفي هذه الحالة قد يحصل نتنياهو على فرصة لتشكيل حكومة يمينية جديدة حتى لو لم يكن الليكود الحزب الأول.
السيناريو الثاني وهو حكومة بقيادة آيزنكوت وهو السيناريو الأكثر وضوحاً إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
لكن المشكلة أن آيزنكوت يحتاج إلى بناء ائتلاف واسع جداً يضم الوسط. واليمين المعتدل. وأحزاباً علمانية. وليبرمان. وربما أحزاباً عربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا يجعل الحكومة المحتملة هشة ومتناقضة أيديولوجياً.
السيناريو الثالث وهو حكومة وحدة وطنية هذا سيناريو مهم جداً. إذا لم يحصل أي معسكر على 61، قد يصبح الحل حكومة وحدة بين قوى من الليكود والوسط والمعارضة.
لكن هل يستطيع آيزنكوت الدخول في حكومة مع نتنياهو؟ وهل يستطيع نتنياهو التنازل عن رئاسة الحكومة؟ هذه هي العقدة.
السيناريو الرابع وهي انتخابات جديدة هذا السيناريو لا ينبغي استبعاده. إذا كانت النتيجة مثلاً نتنياهو هي 55 والمعارضة 55 والأحزاب أخرى 10
فإن تشكيل الحكومة سيكون بالغ الصعوبة.
وقد تدخل إسرائيل في مفاوضات ائتلافية طويلة وفشل تشكيل الحكومة ثم انتخابات جديدة. وهذا ليس سيناريو غريباً على إسرائيل.
ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟
هذه هي النقطة الأهم في تقدير الموقف الفلسطينيون لا ينبغي أن يراهنوا على سقوط نتنياهو وحده. لأن المشكلة أوسع من شخص نتنياهو. هناك تحولات داخل المجتمع الإسرائيلي باتجاه اليمين، وخصوصاً في القضية الفلسطينية.
لذلك فإن انتقال السلطة إلى آيزنكوت أو تحالف وسطي لن يعني بالضرورة عودة إسرائيل إلى مسار أوسلو أو قبول دولة فلسطينية مستقلة فوراً.
لكن التغيير يمكن أن يحدث في أسلوب إدارة الصراع. حكومة جديدة قد تكون أكثر استعداداً وقف التصعيد. التعامل مع الولايات المتحدة. وإعادة ترتيب ملف غزة. وفتح مسار سياسي إقليمي. وتحسين العلاقات مع أوروبا. وإعادة النظر في بعض سياسات الضفة. وربما الدخول في ترتيبات طويلة الأمد مع الفلسطينيين.
ماذا يعني فوز نتنياهو؟ إذا عاد نتنياهو إلى الحكم، فسيُقرأ ذلك على أنه انتصار للمعسكر الذي يرى أن الأمن والقوة العسكرية والاستيطان ومنع الدولة الفلسطينية هي أساس السياسة الإسرائيلية. وسيكون نتنياهو أكثر اعتماداً على اليمين المتطرف، لأن الليكود نفسه لا يبدو قادراً على إنتاج أغلبية منفردة.
وهذا يعني أن بن غفير وسموتريتش والحريديم سيبقون أصحاب تأثير كبير على القرار. وبالتالي قد نشهد مزيداً من التشدد في غزة والضفة الاستيطان. القدس.
ماذا يعني فوز المعارضة؟
فوز آيزنكوت سيكون تحولاً مهماً، لكنه ليس ثورة سياسية إسرائيلية. سيكون أقرب إلى إعادة تموضع داخل المعسكر الصهيوني من اليمين الشعبوي إلى مركز أمني أكثر مؤسساتية. ومن المرجح أن تستمر ثوابت عديدة الحفاظ على التفوق العسكري. ورفض عودة حماس كقوة عسكرية في غزة. والتشدد في الملف الإيراني. والتشدد الأمني في الضفة. والحذر الشديد من الدولة الفلسطينية.
لكن يمكن أن يحدث تغيير في طريقة إدارة هذه الملفات والعلاقة مع واشنطن والعالم العربي وأوروبا.
العامل الفلسطيني العربي سيكون حاسماً بصورة غير مباشرة و الأحزاب العربية الإسرائيلية حصلت في آخر استطلاع على 11 مقعداً، وهي كتلة يمكن أن تصبح حاسمة في الحسابات البرلمانية.
لكن هناك مشكلة سياسية وهي أن الأحزاب الصهيونية المعارضة قد تحتاج إلى دعم عربي لتشكيل حكومة، بينما قطاعات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي لا تزال ترفض حكومة تعتمد على الأحزاب العربية.
لذلك يمكن أن نجد سيناريو المعارضة تفوز بالأغلبية العددية، لكنها لا تستطيع تشكيل الحكومة بسبب استحالة جمع كل أطرافها حول ائتلاف واحد. وهذا أحد أخطر مفاتيح الانتخابات.
إذا جرت الانتخابات وفق المعطيات الحالية، فإنني أضع الاحتمالات السياسية على النحو التالي السيناريو بتقدير مرتفع وهي حكومة جديدة بقيادة آيزنكوت،
أما عودة نتنياهو بحكومة يمينية بتقدير متوسط، أما حكومة وحدة وطنية ضمن تقدير متوسط، قد يحدث أزمة ائتلافية وانتخابات جديدة بتقدير متوسط إلى مرتفع ، اما تحول إسرائيلي جذري نحو حل الدولتين تقدير منخفض جدا.
لكن أهم استنتاج هو أن الانتخابات لن تكون بالضرورة انتخابات يمين ضد يسار، وإنما انتخابات “نتنياهو ضد ما بعد نتنياهو”. وهذا فرق جوهري.
فآيزنكوت لا يمثل يساراً إسرائيلياً كلاسيكياً، وإنما يمثل محاولة لإنتاج بديل أمني وعسكري وسياسي لنتنياهو. ولذلك فإن احتمال التغيير الحكومي أصبح حقيقياً، لكن احتمال تغيير العقيدة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أقل بكثير.
إذا بقيت الخريطة الحالية، فإن نتنياهو يدخل الانتخابات وهو في موقف دفاعي لأول مرة منذ سنوات، بينما يدخل آيزنكوت في موقع المنافس القادر فعلياً على تشكيل بديل لكن لا أحد يملك حتى الآن مفتاح الـ61 مقعداً.
والأخطر فلسطينياً حتى في حال سقوط نتنياهو، لا ينبغي توقع انفراج تلقائي فالمعركة قد تنتقل من “نتنياهو المتطرف” إلى “حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالاً في الأسلوب، لكنها لا تزال متشددة في جوهرها الأمني تجاه الفلسطينيين”.