د. عدنان عويّد
عناصر الموضوع:
1- ملخص:
2- الإرهاصات الأوليّة للتفكير العقلاني:
3- دور الفلسفة الواقعيّة في تحليل الواقع وكشف قوانين حركته:
4- مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعيّة المعاصرة :
5- أهمية التعامل مع المنهج الواقعي في عالمنا العربي المعاصر:
6- مبادئ وقواعد الفلسفة العقلانيّة في تاريخنا المعاصر:
7- ملاك القول:
1-مدخل:
تعتبر الفلسفة الواقعيّة ضرورة تاريخيّة لمواجهة الامتثال والتبعيّة الفكريّة، حيث تشكل أداة نقديّة حاسمة لتفكيك الأوهام ومواجهة ضغوط المجموعات أو القوى التي تدفع الأفراد نحو التقليد الأعمى. ومن أبرز الممارسات والآليات الفكريّة والسلوكيّة التي تقدمها الواقعيّة لمواجهة الامتثال يأتي:
أولاً: التحليل النقدي للمسلّمات, والتعامل معها بعقلانيّة. أي تفكيك الأفكار السائدة في المجتمع وعدم قبولها كحقائق مطلقة لمجرد أن الأغلبيّة تؤمن بها.
ثانياً: ضرورة الاشتباك مع الواقع المعيوش ومدى تأثيره ودوره في انتاج أو تحديد وعي الإنسان أوبناء وعي ذاتي له يستند إلى معطيات الواقع.
ثالثاً: التركيز على الحقائق العيانيّة والنتائج الملموسة, بدلاً من الجري وراء الشعارات الأيديولوجيّة أو الوعود الطوباويّة. ورابعاً: تعزيز الفردانيّة المسؤولة التي تمنح الفرد الشجاعة الفكريّة في اتخاذ مواقف مستقلة حتى لو كانت مغايرة للمجموع.
رابعاً: مقاومة التنميط الاجتماعي أو النمذجة, أي رفض القوالب الجاهزة وسياقات الامتثال التي تفرضها ثقافة الاستهلاك لتوجيه سلوك الفرد والجماهير.
2- الإرهاصات الأوليّة للتفكير العقلاني:
نقول: إذا نظرنا إلى الواقعيّة كرؤى أو مواقف ذهنيّة (عقلانيّة) تؤمن بدور التجربة والاستنتاج والاستقراء والخبرة الاجتماعيّة وبالتالي الوصول إلى البرهان في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل, فسنجد إرهاصتها الأوليّة لدى كثير من الشعوب, ممثلة في البنية الفكريّة لبعض منتجي أساطيرها, أو لدى حكمائها الأولين, كما هو الحال مثلاً في رد ” أناناتبشم” على “جلجاميش” في (ملحمة جلجاميش) عندما اشتكى “جلجاميش” لـ ” أنانا تبشم” عجزه عن إيجاد سر الخلود بعد أن بحث عنه طويلاً, حيث قال له “أناناتبشم” مواسيّاً: (متى بيننا بيتاً دام إلى الأبد!؟, ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟. ). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة الاجتماعيّة في معرفة طبيعة الحياة وقوانين تطورها وتبدلها, كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا أعلاه.
أما إذا نظرنا إلى الواقعيّة كموقف فلسفي, فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثاليّة التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد, والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة – الروح- الفطرة – البنية النفسيّة – العقل المجرد..الخ.). فالفلسفة المثاليّة – في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان, تخالف في الحقيقة الفلسفة الواقعيّة التي تؤمن بالنسبي والملموس والعياني والتجربة وحرية الاختيار. وأن الواقع المادي المحسوس عندها هو مصدر الحقيقة, وأن الحواس والتجربة هما أداتا المعرفة, التي توصلنا إلى هذه الحقيقة في نسبيتها الدائمة, كون الحقيقة تقوم دائماً على معرفة ناقصة.
عموماً إذا كان ” أفلاطون” هو مؤسس المدرسة الفلسفيّة المثاليّة, التي تأثر في أفكارها, أو قال بما يؤيدها, أو يقاربها فيما بعد, فإن العديد من الفلاسفة والمفكرين, أمثال جورج باركلي, ودافيد هيوم, وكانت, وأبو حامد الغزالي, والفارابي وابن سينا وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن ” أرسطو” يعتبر رائد الواقعيّة كتيار فلسفي, حيث جاء فيما بعد أيضاً, العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها, أمثال القديس توما الأكويني, وفرانسيس بيكون, وابن رشد, وابن حزم, والكندي, وابن خلدون, وجون لوك, وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة, وتجريبي النزعة, ويقرون بأهمية العقل والإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة. مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي, وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة, وبمثل هذه المواقف الفكريّة التي آمنوا بها, جاء الواقع عندهم سابقاً على الفكر إلى حد ما.
3- دور الفلسفة الواقعيّة في تحليل الواقع وكشف قوانين حركته:
إن الفلسفة الواقعية إذاً, هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلميّة, فالظواهر الطبيعية بشكل خاص تسير وفق قوانين طبيعيّة/ موضوعيّة, ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آليّة عملها لمصلحته, وفي الظواهر الاجتماعيّة لا شك أن الناس يصنعون تاريخهم بأيديهم ولكنهم لا يصنعونه دائماً على هوائهم. فغالباً ما تتحكم بهم قوانين الطبيعة, أو غرائزهم ومصالحهم الأنانيّة الضيقة.
4- مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعيّة المعاصرة :
في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد, وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانيّة من ضمنها, مع تيارات ما بعد الحداثة, ممثلة بموت ونهاية كل شيء (الفن, الأدب, الفلسفة, الأخلاق, الدين التاريخ وغير ذلك من مفردات الحياة), ليتشكل تيار فكري هجين (ما بعد حداثوي), غابت فيه ملامح العقلانيّة والمثاليّة معاً, لتسود فيه رؤى فكريّة يغلب عليها طابع الفوضى الفكريّة, والعبث, واللامعقول, والتجزيئيّة, واللاأدريّة, وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقيّة الجوهريّة, والتمسك بالشكلي, والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة, وفي مقدمتها الإنسان, ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة, إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد, كما يقول باسكال.. الخ.
5- أهمية التعامل مع المنهج الواقعي في عالمنا العربي المعاصر:
من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللامعقول, وبخاصة ما يمارس اليوم تجسيداً عمليّاً لكل هذا اللامعقول في عالمنا العربي من قبل قوى الظلام ومًنْ يساندهم على الساحة العربيّة والعالميّة, يفرض علينا المنطق والواجب تجاه إنسانيتنا, ضرورة التمسك بما هو إيجابي وعقلاني, وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا, وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة, ونفض غبار الجهل والامتثال والتسليم عنه, وكل ما اعتراه من تفاهات فكريّة هدامة وتخريبيّة تريد النيل من جوهر الإنسان, والعودة به إلى حياة العصور الوسطى, عصور الظلام والجهل واللامعقول, هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابيّة التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان العربي بشكل خاص إلى جوهر إنسانيته, هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانيّة أو الفكر التنويري, ومحاولة إغنائه برؤى فكريّة جديدة تضفي عليه طابعاً أكثر عقلانيّة وعلميّة تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة, منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علميّة وعقلانيّة لفلسفة واقعيّة معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة, يمكننا تحديد أهمها بالتالي :
6- مبادئ وقواعد الفلسفة العقلانيّة في تاريخنا المعاصر:
1 – إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآليّة عملها, وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر – تؤثر فيه ويؤثر فيها, وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآليّة عملها.
2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب, بل وحريّة أيضاً, وهنا تكمن استقلاليته النسبيّة عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به, وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.
3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته, ليست ثابتة جامدة في معطياتها, بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين, أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم, وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها, ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.
4- الفلسفة العقلانيّة المعاصرة لا تؤمن بوجود أفكار فطريّة موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة, بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة المحيطة به على تفكيره وسلوكياته, دون أن ننكر أن هناك استعداداتٍ وراثيةً أوليةً لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس في حياة الإنسان.
5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي, وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد, وعليه فإن حريّة الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة, وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً, وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبيّة التي يفرضها المجتمع المتخلف والدولة المستبدة معاً على تفكيره وتصرفاته.
6- لا تقر الفلسفة العقلانيّة المعاصرة بالأخلاق المعياريّة المسبّقة, والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته, وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخيّة المعيوشة, فهي ضد القوالب الأخلاقيّة والفكريّة الجامدة أو الجاهزة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد من انعتاقه وتطور ونمو إنسانيته.
7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانيّة المعاصرة ليس معطىً بيولوجيّاً تقوم آليّة عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه, بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفرديّة والاجتماعيّة تاريخيّاً, وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخيّة التي يعيشها, والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.
8- تؤمن الفلسفة العقلانيّة المعاصرة بدور وأهميّة التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بإجابيه مع الواقع الذي يعيش فيه, وحالات تبدل وتطور هذا الواقع .
9- الفلسفة العقلانيّة المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة, فللجانب الروحي عندها أهميّة في إغناء الجانب العملي, على الرغم من أن البداية للفعل كما يقول “فاوست” والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي, فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدليّة, والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنيّة, وإحساسات داخليّة تتجلى في شعوره بالحب والكره, والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها .
7- ملاك القول:
هذه هي أبرز القواعد التي يجب أن ترتكز عليها الفلسفة العقلانيّة المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي, والتي تشكل المنطلقات الفكريّة لكل تفكير عقلاني تنويري يرمي إلى تجاوز عقليّة وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر, إضافة إلى عقليّة وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي هدفه تنمية الغريزة على حساب العقل, وقتل روح الإنسان وإبداعاته, وبالتالي العمل على نمذجته وحيونته معا.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا