جاري التحميل...

يصعب قول الحقيقة إذا كنتَ براغماتياً تستظلّ في ظلال الباطل

قراءة فلسفية في المصلحة الشخصية والحقيقة الوطنية الفلسطينية

بقلم: الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ فلسفة وعلم اجتماع

ليست أصعب الأسئلة تلك التي نجهل إجاباتها، وإنما تلك التي نعرف إجاباتها ثم نعجز عن قولها.
وهنا تبدأ المأساة الأخلاقية للإنسان السياسي والمناضل: أن يعرف الحقيقة، وأن يدركها، ثم يصمت عنها لأن قولها قد يهدد مصلحةً شخصية أو امتيازاً أو موقعاً أو نفوذاً.
والسؤال الذي أريد أن أطرحه اليوم ليس سؤالاً سياسياً فقط، بل هو سؤال فلسفي يتعلق بعلاقة الحقيقة بالمصلحة، والوعي بالامتياز، والانتماء بالموضوعية.
فهل يستطيع الإنسان أن يرى الحقيقة كما هي، عندما تكون مصلحته الشخصية مرتبطة بالنتيجة التي سيحكم عليها؟
وهل يستطيع المناضل أن يكون موضوعياً عندما يصبح الحكم على الواقع حكماً على موقعه ومكانته ومصالحه؟
الحقيقة حين تصبح مكلفة
في التجربة الفلسطينية، وفي مسيرة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب المعرفة بالحقيقة.
قد يعرف البعض الحقيقة ويدركونها، لكنهم يمتنعون عن مصادقتها بالفعل والموقف، لأن الاعتراف بها قد يهدد امتيازات حصلوا عليها داخل وضع سياسي أو تنظيمي يرونه قائماً، أو داخل نسق وطني يحتاج إلى مراجعة.
وهنا يتحول الصمت من مجرد حياد إلى وسيلة لحماية المصلحة الشخصية.
فالذي يستفيد من واقع معين قد يصبح أقل استعداداً لنقده، ليس لأنه لا يرى عيوبه، وإنما لأن الحقيقة نفسها أصبحت مكلفة بالنسبة إليه.
وهذا هو جوهر المأزق:
حين يصبح الباطل مربحاً، والحقيقة مكلفة، يصبح الصمت موقفاً.
والأخطر أن الصمت لا يبقى مجرد امتناع عن الكلام، بل قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الواقع نفسه.
البراغماتية حين تتحول إلى غطاء
البراغماتية في معناها الفلسفي ليست بالضرورة مرادفاً للباطل أو النفاق؛ لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول المنفعة إلى المعيار الوحيد للحكم.
عندها لا يعود السؤال:
ما الحقيقة؟
بل يصبح:
ما الذي يفيدني إذا قلت هذه الحقيقة؟
وهنا ينتقل الإنسان من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن المصلحة.
إنها لحظة خطيرة في الوعي السياسي، لأن الحقيقة تفقد استقلالها، وتصبح تابعة للموقع الذي يقف فيه الإنسان.
فيصبح الموقف صحيحاً إذا خدم صاحبه، وخاطئاً إذا هدّد امتيازه.
وهكذا تُستبدل الحقيقة بالمصلحة، ويُستبدل الضمير بالحساب.
هل نستطيع أن نكون موضوعيين؟
أسأل أبناء فتح، وأبناء المشروع الوطني الفلسطيني، وكل من يعمل في مؤسسات السلطة والمنظمة:
هل يستطيع الإنسان أن يكون موضوعياً عندما تكون مصلحته الشخصية مرتبطة بالنتيجة التي يحكم عليها؟
إنه سؤال فلسفي قبل أن يكون سؤالاً سياسياً.
فالموضوعية لا تعني أن يتخلى الإنسان عن انتمائه، ولا أن يتبرأ من تاريخه، وإنما تعني أن يستطيع ـ ولو مؤقتاً ـ أن يضع مصلحته الخاصة خارج مرآة الحكم.
أن يقول:
أنا فتحاوي، لكن فتح ليست مصلحتي الشخصية.
أنا فلسطيني، لكن فلسطين ليست ملكاً لي.
أنا جزء من مؤسسة وطنية، لكن المؤسسة ليست ملكاً للأشخاص.
فلسطين أكبر من فتح، وفتح أكبر من الأشخاص، ومنظمة التحرير أكبر من قياداتها.
وهذه ليست انتقاصاً من أحد، بل هي قاعدة أخلاقية لحماية الفكرة الوطنية من التحول إلى ملكية شخصية.
فمنظمة التحرير الفلسطينية تأسست عام 1964 بوصفها إطاراً جامعاً للتمثيل الوطني الفلسطيني، ثم تولت فتح قيادة المنظمة منذ انتخاب ياسر عرفات رئيساً للجنتها التنفيذية عام 1969. �
wafa.ps +1
وهذا التاريخ نفسه يقول لنا إن المؤسسات الوطنية أكبر من الأشخاص الذين يقودونها في مرحلة معينة.
من يحمل القضية ومن تحمله القضية؟
هنا أضع سؤالاً آخر أمام الضمير الوطني:
هل نحن الذين نحمل القضية، أم أن القضية أصبحت تحمل بعضنا؟
المناضل الحقيقي هو الذي يحمل القضية عندما لا تمنحه شيئاً.
أما عندما يصبح الوطن طريقاً إلى الامتياز، والمنصب طريقاً إلى النفوذ، والمؤسسة وسيلة لحماية المصالح الخاصة، فإن العلاقة بين الإنسان والوطن تبدأ في التحول من علاقة انتماء إلى علاقة منفعة.
وهنا تصبح الحاجة إلى النقد الذاتي ضرورة وليست ترفاً.
النقد الذاتي ليس خيانة.
بل قد يكون أحد أشكال الوفاء الأكثر صدقاً للقضية.
لأن الخيانة الحقيقية هي أن يرى الإنسان الخلل ثم يصمت عنه فقط لأن صمته يحمي موقعه.
نحن بحاجة إلى تجديد
أعتقد أن الأزمة لا تعالج فقط بتغيير بعض الأسماء، وإنما تحتاج إلى تجديد في القيادات، وتجديد في التفكير، وتجديد في الاستراتيجية، وتجديد في التوجه الوطني.
نحن بحاجة إلى جيل جديد من القيادات، وإلى روح جديدة، وإلى دماء شابة ما زالت عروقها تنبض بالحقيقة الوطنية.
جيل لا يأتي إلى الوطن بحثاً عما يأخذه منه، بل يأتي ليضيف إليه.
جيل يجلب المصالح إلى الوطن، ولا يحوّل الوطن إلى مصالح شخصية.
جيل يحوّل المصلحة الشخصية إلى مصلحة وطنية، لا المصلحة الوطنية إلى امتياز شخصي.
وهنا يمكن أن يكون النقاش حول قيادات وشخصيات فلسطينية معاصرة، ومن بينها محمد دحلان، جزءاً من النقاش الوطني الأوسع حول التجديد وإعادة بناء العلاقة بين فتح ومشروعها الوطني. وتوجد مواقف وتصريحات موثقة لدحلان يؤكد فيها استمرار انتمائه إلى فتح وارتباطه بفكرة الحركة. �
حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح
لكن القضية في جوهرها ليست شخصاً واحداً.
القضية هي: أي عقل وطني نريد؟ وأي قيادة نريد؟ وأي علاقة نريد بين القيادة والوطن؟
ياسر عرفات… وراية لا ينبغي أن تسقط
إن استعادة روح الرئيس الشهيد القائد ياسر عرفات لا تعني استعادة الماضي كما هو، ولا تعني تجميد فتح عند مرحلة تاريخية.
بل تعني استعادة المعنى الذي جعل فتح فكرة وطنية واسعة، واستعادة العلاقة بين القيادة والقضية، وبين المناضل والشعب.
عرفات لم يكن مجرد شخص في تاريخ فلسطين؛ لقد ارتبط اسمه بمرحلة مركزية في تاريخ منظمة التحرير وفتح والحركة الوطنية الفلسطينية.
والسؤال اليوم ليس: من يشبه عرفات؟
بل:
من يستطيع أن يحمل راية فلسطين دون أن يحوّلها إلى وسيلة لحمل نفسه؟
أصعب موقف وطني
إن أسهل إنسان هو الذي يقول الحقيقة عندما لا يخسر شيئاً.
أما أصعب إنسان فهو الذي يقولها عندما تكون الحقيقة مكلفة جداً، ويكون الباطل مربحاً جداً.
هناك فقط يُختبر المناضل.
هناك فقط نعرف هل الوطن عنده غاية أم وسيلة.
وهناك فقط نعرف هل هو يحمل القضية، أم أن القضية أصبحت تحمله إلى موقع الامتياز.
لذلك فإن قول الحقيقة عندما تكون مكلفة ليس مجرد موقف أخلاقي.
إنه فعل وطني.
وربما يكون من أشكال المقاومة الداخلية التي تحتاجها الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم: مقاومة الخوف، ومقاومة المصلحة الضيقة، ومقاومة تحويل المؤسسات الوطنية إلى ساحات لحماية الامتيازات.
كلمة أخيرة إلى فتح
يا أبناء فتح…
إن فتح التي أطلقت رصاصتها الأولى لا يجوز أن تخاف من الكلمة الأولى.
وفتح التي صنعت تاريخاً من التضحية لا يجوز أن تصبح أسيرة لحسابات المصلحة.
وفتح التي كانت فكرة قبل أن تكون سلطة، يجب أن تستعيد قدرتها على مساءلة نفسها.
لا يكفي أن نغير القيادات؛ علينا أن نغير العقل الذي ينتج القيادات.
ولا يكفي أن نغير الأشخاص؛ علينا أن نغير المنظومة التي تجعل الصمت أكثر ربحاً من الحقيقة.
نحن بحاجة إلى فتح تستعيد روحها، ومنظمة تحرير تستعيد دورها الوطني الجامع، ومؤسسات فلسطينية تكون خادمة للشعب لا الشعب خادماً لها.
إن تجديد المشروع الوطني يبدأ من تحرير الحقيقة من الخوف.
وأصعب خيار وطني يسجله الإنسان المناضل ليس أن يقول الحقيقة عندما لا يخسر شيئاً، بل أن يقولها عندما تكون الحقيقة مكلفة جداً، والباطل مربحاً جداً.
عندها فقط يصبح قول الحقيقة فعلاً من أفعال النضال.
وعندها فقط نستطيع أن ننتقل من زمن المصالح الذاتية إلى زمن المصلحة الوطنية.
*فلسطين أولاً… وفلسطين فوق الأشخاص، وفوق المواقع، وفوق الامتيازات.*