جاري التحميل...

عند الفلسطيني الارض لا تستبدل بالفضاء

بقلم: م.محمد علي العايدي

في العدد التاسع والعشرين من جريدة «وطني» المصرية، الصادر في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1964، كتب ميشيل تكلا مقالاً بعنوان «نهاية العالم يوم 13 نوفمبر 2026». وبين أفكاره عن مستقبل البشرية، أشار إلى احتمال أن تصبح الأرض، مع تزايد سكانها، عاجزة عن استيعابهم، بحيث يغدو انتقال الإنسان إلى الفضاء يوماً ما ضرورة وليس مجرد حلم.

وبعد أكثر من ستة عقود، يقف العالم أمام التاريخ الذي حمله عنوان ذلك المقال، فيما تبدو فلسطين وكأنها تقدم مفارقة إنسانية وسياسية شديدة الدلالة: فبينما يفكر الإنسان في مغادرة الأرض بحثاً عن حياة في الفضاء، يخوض الفلسطيني معركته اليومية من أجل البقاء على أرضه.

القتل والاعتقال وهدم البيوت وتدمير الممتلكات والاعتداء على الأراضي وحرق المحاصيل والأشجار، كلها مظاهر باتت جزءاً من المشهد الفلسطيني اليومي، في ظل سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية وتوجهاتها اليمينية المتطرفة، وما يرافقها من اعتداءات ينفذها مستوطنون.

لكن كل ذلك لم ينجح في تغيير الحقيقة الأهم: الفلسطيني ما زال متمسكاً بأرضه.

فالبيت الفلسطيني ليس حجراً وسقفاً فقط، وشجرة الزيتون ليست مجرد شجرة، والأرض ليست قطعة جغرافية قابلة للاستبدال. إنها ذاكرة متوارثة، وامتداد للعائلة، ومصدر للهوية والانتماء.

ولهذا، فإن التعامل مع الفلسطيني على أساس أن زيادة الضغط ستدفعه إلى الرحيل يتجاهل طبيعة العلاقة بين الإنسان وأرضه. فكلما شعر الإنسان بأن وجوده مهدد، يصبح التمسك بالأرض أكثر ارتباطاً بالكرامة والهوية، ويتحول البقاء من خيار إلى قضية وجود.

وهنا تستعاد عبارة الراحل أبو علي شاهين: «إذا حُوصر القط يصبح بقوة النمر».

لم تكن العبارة، في معناها السياسي، مجرد وصف للحظة غضب، وإنما تعبير عن حقيقة يعرفها التاريخ: الحصار المستمر لا يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام، وقد ينتج في المقابل مزيداً من التمسك بالوجود والحقوق.

وفي الجانب الآخر، يظل السؤال السياسي مشروعاً حول قدرة الحكومة الإسرائيلية على الاستمرار في هذه السياسات دون أن تترك أثماناً سياسية وأمنية وأخلاقية بعيدة المدى. فالتعامل مع الصراع بمنطق القوة وحدها قد يحقق أهدافاً آنية، لكنه لا يقدم بالضرورة حلاً للصراع، ولا يلغي وجود الشعب الفلسطيني ولا ارتباطه بأرضه.

كما أن تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة في الحسابات السياسية الداخلية أو الانتخابية لا يغير جوهر المشكلة. فالانتخابات تأتي وتذهب، والحكومات تتغير، لكن القضايا التي لم تجد حلاً تبقى حاضرة، وربما تصبح أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.

لقد كان ميشيل تكلا يتحدث في عام 1964 عن مستقبل قد يضطر فيه الإنسان إلى البحث عن مكان آخر خارج الأرض.

أما الفلسطيني، في عام 2026، فلا يبحث عن مكان آخر.

إنه يريد المكان نفسه.

يريد بيته، وأرضه، وحقله، وشجرة زيتونه، وذاكرته التي لم تبدأ اليوم ولن تنتهي غداً.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق: قد يصبح الفضاء يوماً مجالاً جديداً للحياة البشرية، لكن الفلسطيني لا يرى فيه بديلاً عن وطنه.

فالوطن لا يُقاس بمساحته، ولا يمكن تعويضه بمكان آخر، ولا يمكن اقتلاع معناه من الذاكرة بالقوة.

ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من ستين عاماً على مقال ميشيل تكلا ليس فقط: هل سيذهب الإنسان إلى الفضاء؟

بل سؤال آخر أكثر إلحاحاً:

كيف يمكن أن يصل الإنسان إلى الفضاء، بينما لا يزال على الأرض شعب يُطالب بحقه في أن يبقى في وطنه؟

ربما تكون الإجابة في أن مشكلة فلسطين لم تكن يوماً مشكلة مكان، وإنما مشكلة حق.

والحق، مهما طال الزمن، لا يصبح أقل حضوراً لأن العالم انشغل بالفضاء.

فالفلسطيني لا يريد جنة في الفضاء؛ يريد أن يعيش بكرامة على أرضه