المطران عطاالله حنا
أرادوا لفلسطين وقضيتها أن تكون مغيّبة في أروقة الأمم المتحدة، فكانت النتيجة عكس ذلك، إذ كانت فلسطين حاضرة وبقوة داخل الأمم المتحدة، وفي الشوارع والمواقع المحيطة بها أيضًا، حيث خرجت المسيرات والمظاهرات الرافضة للعدوان، والمطالبة بوقف الممارسات الظالمة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
إن خطاب جلالة الملك عبدالله، وفخامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إضافة إلى غيرها من الخطابات التي ألقاها عدد من القادة العرب والدوليين وزعماء العالم، كانت تنادي بالحرية للشعب الفلسطيني، ووضع حد لسياسات الاحتلال والعدوان، وللمؤامرات المشبوهة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
ونحن من القدس، نعرب عن محبتنا ووفائنا لكل الشخصيات الدولية من قادة ومثقفين، وكذلك لأولئك الذين تظاهروا نصرة لشعبنا وقضيته العادلة، إذ نقول للجميع إن الشعب الفلسطيني المظلوم وفيّ لأصدقائه، ووفيّ لكل من يقول كلمة حق في هذا الزمن العصيب، حيث باتت القنابل والصواريخ تنهمر على أبناء غزة في مشهد يومي، ناهيك عن سياسات الحصار والتنكيل والإذلال في الضفة الغربية.
هنالك ظاهرة وجب الإضاءة عليها، وهي أن هناك ازديادًا في رقعة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وازديادًا في رقعة الوعي. فالمسألة ليست مسألة تضامن فحسب، بل هي مسألة وعي وإدراك لخطورة وجسامة ما يتعرض له الفلسطينيون من مظالم.
الوعي يزداد في عالمنا، والقاعة الفارغة عندما كان نتنياهو يتحدث، إنما تدل على أن هنالك شبه إجماع في هذا العالم على رفض سياسات الاحتلال وممارساته الظالمة بحق شعبنا الفلسطيني.
إن رقعة الوعي تجاه القضية الفلسطينية تزداد يومًا بعد يوم، إذ إن الجرائم المرتكبة بحق شعبنا لا يمكن لأي جهة في هذا العالم أن تخفيها أو أن تطمس معالمها. أما الوفود الأجنبية الزائرة، وبعضها يأتي وهو لا يعرف شيئًا عن معاناة شعبنا، فعندما يلاحظون ويشاهدون ما يحدث على الأرض، يكتشفون حقيقة لا يمكن لأحد أن يخفيها، وهي أن هنالك احتلالًا وقهرًا وظلمًا وممارسات ظالمة يتعرض لها شعبنا، ويجب أن تزول وأن تتوقف.
الزائرون الاجانب الذين يدخلون إلى الضفة الغربية يرون أمامهم مشاهد هي أبلغ من أي خطاب، حيث البوابات الحديدية وأسوار الفصل العنصري، والتي تذكّر البعض منهم بسور برلين، الذي أزيل في وقت من الأوقات. ونحن نتمنى وننادي ونطالب بأن تزول أسوار الفصل العنصري والبوابات العسكرية والحواجز الاحتلالية، لكي يتمتع الإنسان الفلسطيني بأبسط حقوقه، وهي حرية التنقل في وطنه، والوصول إلى المقدسات والأماكن التي يعمل بها.
العدالة مغيّبة في هذه الديار، وهذا أمر بات يدركه الكثيرون في هذا العالم. فبأي حق يُقتل الفلسطينيون بدم بارد، ويُحاصرون ويُجوّعون ويُنكل بهم في قطاع غزة؟ وبأي حق تتحول الضفة الغربية إلى سجن كبير، حيث بات الإنسان الفلسطيني يحتاج إلى ساعات وساعات حتى يتمكن من الوصول إلى المكان الذي يريد الوصول إليه؟
لقد ازدادت البوابات الحديدية والحواجز العسكرية التي تقف بالمرصاد لكل فلسطيني يريد أن يصل إلى عمله أو أن ينتقل من مكان إلى آخر.
قبل أيام، احتجنا لأربع ساعات لكي نصل من رام الله إلى القدس، وكان الاحتلال يسعى لإبعاد القدس عن الفلسطينيين، وإبعاد الفلسطينيين عن القدس. فأهل الضفة لا يمكنهم أن يأتوا إلى القدس إلا بتصاريح تعجيزية، أما أبناء القدس ومناطق الـ48، فقد أضحى وصولهم إلى الضفة الغربية مجازفة ورحلة قد تكون عسيرة، وتحتاج إلى ساعات وساعات ذهابًا وإيابًا.
لقد بات واضحًا أن هذه سياسة ممنهجة لفصل الفلسطينيين عن بعضهم البعض، واقتلاع القدس من الجسد الفلسطيني، وجعل مسألة الوصول إلى المدينة المقدسة مسألة في غاية الصعوبة والتعقيد.
ما يحدث اليوم إنما هو أمر في غاية الخطورة، ولذلك فإنني أود أن أقول لزعماء العالم، وخاصة أولئك الذين تحدثوا عن معاناة الشعب الفلسطيني في خطاباتهم، إنكم مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بألا تكتفوا بالخطابات والبيانات، والتي لا نقلل من أهميتها، ولكن يجب أن تكون هناك أيضًا إجراءات عملية ضاغطة على الاحتلال، لكي يوقف سياساته، ولكي تُرفع هذه المظالم وهذه السياسات العنصرية التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني.
الدول العربية مجتمعة، ولا يُستثنى منها أحد على الإطلاق، مطالبة بدور أكثر فعالية من أجل التأكيد على عدالة القضية الفلسطينية، والعمل من أجل وضع حد لهذه المظالم والجرائم المرتكبة بحق شعبنا المحاصر والمنكوب والمعذب.
كما أن كل الدول العالمية المنادية بحقوق الإنسان إنما هي مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تترجم مناداتها بالحفاظ على حقوق الإنسان بشكل عملي، من خلال المطالبة بإنهاء الاحتلال والوقوف إلى جانب الفلسطينيين في محنتهم ومعاناتهم وآلامهم.
إن سلطات الاحتلال عندها هدف معلن ومعروف، وهو تصفية القضية الفلسطينية والقضاء على أي إمكانية أو أمل لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
إنهم يريدون للفلسطيني أن يعيش غريبًا في بلده، وأن يكون مظلومًا ومستهدفًا في كافة تفاصيل حياته.
عام 1948 كانت النكبة وما رافقها من تهجير قسري، أما اليوم فنحن أمام سياسة تهجير طوعي، إذ يريدون للفلسطيني أن يفكر بمغادرة بلده وأرضه في ظل هذا الحصار الخانق، وفي ظل سياسة التطفيش والإذلال بحق الفلسطيني.
ما يُرتكب بحق الفلسطينيين في غزة وفي الضفة إنما هي جريمة بحق الإنسانية، والعالم بأسره يتحمل مسؤولية إنسانية وأخلاقية، ويجب على الأحرار في هذا العالم أن يقولوا: لا وألف لا لهذا الاحتلال الغاشم الذي يتفنن في قتل الإنسان الفلسطيني والتنكيل به واستهدافه.
بالأمس، كان يحدثني صديق عزيز كان مشاركًا في مظاهرة عارمة تضامنًا مع الشعب الفلسطيني قبالة الأمم المتحدة، فوصف لي المظاهرة قائلًا إن الإنسانية كلها والأحرار جميعًا قد توحدوا من أجل فلسطين؛ فالمسيحي والمسلم واليهودي والبوذي وغيرهم من الأعراق والخلفيات الثقافية كانوا معًا وسويًا يهتفون بصوت واحد: الحرية لفلسطين ولشعب فلسطين.
فما أحلى وما أجمل هذا المشهد الذي يوحّد الإنسانية وأصحاب الأديان والثقافات المتعددة في عالمنا في المناداة بتحقيق العدالة المغيبة في الأرض المقدسة ، وهم يعبّرون عن انحيازهم للإنسانية وللقيم الأخلاقية، من خلال مناداتهم بالحرية لشعب يستحق الحرية، وقد حُرم منها لسنين طويلة.
إنهم يقتلون ويمارسون الجرائم المروعة بحق الإنسانية، وبات أبناء القطاع المدمر يعيشون حالة الفقر والعوز، وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، مع تنويهنا إلى أن فصل الشتاء على الأبواب. فأعان الله أهلنا في القطاع، وخاصة شريحة الأطفال، على معاناة مروعة وغير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث.
أعان الله أهلنا في الضفة الغربية الذين يعيشون وكأنهم في سجن كبير. ولدى زيارتي الأخيرة لبيت لحم، قال لي أحد أبنائنا في كنيسة المهد، وهو يبلغ من العمر 25 عامًا: «أمنيتي أن أزور القدس، والتي لم أتمكن من زيارتها حتى ولو لمرة واحدة، ولا أعرفها إلا عبر ما يُنشر عنها في وسائل التواصل المختلفة».
وما قاله هذا الشاب إنما هو عينة عما يقوله شبابنا وأبناؤنا الذين يُحرمون من الوصول إلى القدس، وهذا ظلم كبير؛ أن يُمنع الفلسطيني من أن يصل إلى مقدساته وإلى مدينته الحاضنة لهذا الكم الهائل من التاريخ والحضارة والمقدسات.
الفلسطينيون، وبالرغم من معاناتهم وآلامهم وأحزانهم، إلا أنهم متشبثون بحقوقهم وانتمائهم لأرضهم ومقدساتهم، وحتى أولئك الذين أُجبروا على المغادرة إلى أماكن أخرى في هذا العالم، فهم يحملون معهم هموم شعبهم. والفلسطيني، في كل مكان يتواجد فيه، هو سفير لشعبه ولقضية شعبه العادلة، والتي لن تتمكن أي قوة غاشمة في هذا العالم من النيل من عدالتها، فهي قضية حق وعدالة، بل هي القضية الأنبل والأعدل في العالم.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس – 25 أيلول 2026