السياسي -متابعات
عاش الشارع الرياضي المصري حالة من الذهول بعد المشهد الصادم الذي ظهر عليه محمد صلاح، قائد الفراعنة، أمام منتخب أنغولا، حيث تحول النجم الذي ينفجر تهديفيًا في الملاعب التركية ويسجل 7 أهداف ويصنع هدفين خلال 635 دقيقة فقط، فجأة إلى لاعب عاجز تمامًا عن تهديد المرمى حتى غادر الميدان في الدقيقة 61 مطأطأ الرأس، وسط منظومة فنية جردته من كل أسلحته الفتاكة وأفقدته خطورته المعتادة في افتتاح مشوار التصفيات المؤهلة إلى نهائيات كأس أمم أفريقيا.
هذا الظهور الباهت فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات جماهيرية وإعلامية كبرى حول الأسباب الفنية التي تجعل هدافًا بهذه القيمة يظهر بمستوى متواضع للغاية كلما ارتدى قميص بلاده.
سجن المهاجم الثاني وإلغاء مملكته المفضلة
تمثل القرار الكارثي الأول في سلب محمد صلاح من جبهته المحبوبة على الرواق الأيمن وحبسه في عمق التكتل الدفاعي كمهاجم ثان، حيث اعتاد طرابزون سبور التركي منح هدافه كامل الحرية الحركية للقدوم من الجناح نحو العمق ومواجهة المرمى بوضعية مريحة، لكن حسام حسن فضل تجميد هيثم حسن على الخط الأيمن كجناح تقليدي، واضعًا صلاح بين فكي كماشة دفاع الخصم دون أي مساحة للمراوغة أو التسديد.
هذا التمركز القاتل في قلب الكثافة العددية حرم قائد المنتخب المصري من أهم أسلحته الهجومية، وهي السرعة الفائقة والانطلاق في المساحة الخالية، وجعله مطالبًا بمقارعة مدافعي أنغولا أصحاب القوة البدنية الهائلة في أضيق نقطة من الملعب، ليتحول اللاعب الأخطر في القارة إلى مجرد عنصر محاصر وسط غابة من السيقان الأفريقية القوية دون أي فرصة حقيقية للتنفس أو تهديد الشباك.
حرمان “الملك” من منظومة الدعم وسحب المدافعين
أما الخطيئة الثانية فكانت غياب أي دور تكتيكي للمهاجم المتواجد بجواره، ففي الملاعب التركية يتحرك الجميع لخدمة النجم الأول وتفريغ المساحات عبر سحب المدافعين وتثبيت الخط الخلفي للخصم، بينما وجد اللاعب نفسه في صفوف المنتخب محاصرًا بوجود مصطفى زيكو في نطاقه الحركي دون أي تبادل مراكز؛ ما تسبب في تكديس المدافعين حوله وقطع كل خطوط الإمداد القادمة من خط الوسط.
لم يشهد اللقاء أي تحرك قطري ذكي يسحب قلبي الدفاع ليفتح زاوية تسديد سانحة لصلاح، بل كانت العشوائية في التمركز الهجومي هي السمة الغالبة على مدار الدقائق التي قضاها داخل المستطيل الأخضر، ليدفع قائد الفراعنة ثمن انعدام التنسيق وجمود الأدوار التي رسمها الجهاز الفني دون مراعاة لخصائص هدافه الأبرز واحتياجاته الفنية داخل الصندوق وخارجه.
تحويل الهداف إلى صانع ألعاب من نصف ملعبه
وجاء القرار الثالث المثير للجدل في إجبار الهداف التاريخي على التراجع لأكثر من 40 مترًا إلى الوراء لبناء الهجمات بنفسه، في ظل عجز خط الوسط عن إرسال كرات طولية متقنة خلف دفاع أنغولا، وهو تناقض صارخ يفضح غياب أي مساندة جماعية لقائد الفريق في الخطوط الأمامية.
هذا الاستنزاف البدني الهائل أبعد صلاح تمامًا عن الثلث الهجومي الأخير وجعله يستلم الكرة وظهره لمرمى المنافس بعيدًا عن مناطق الخطر، لتبدو الأزمة الحالية بمثابة مفارقة كبرى تفند حديث حسام حسن السابق، عندما زعم أنه المدير الفني الوحيد القادر على استخراج أفضل نسخة من صلاح وتطوير مستواه بعد الفترات الصعبة التي عاشها مع ليفربول، ليتحول هذا الوعد إلى عزلة تكتيكية خانقة أطفأت وهج الملك بقميص وطنه وأعادت إلى الأذهان مخاوف تكرار الإخفاقات الهجومية السابقة في المحافل القارية الكبرى.