جاري التحميل...

لا تطلب الإذن بالطيران….

بقلم: شادي عياد

هناك شعوبٌ تعلّمت أن تعيش داخل الحدود التي رسمها الآخرون، وشعوبٌ أخرى كلما وُضع أمامها حدٌّ، بدأت تسأل: ومن قال إن هذا الحدّ هو نهاية الطريق؟

فلسطين من النوع الثاني.

ولهذا ربما كان أكثر ما يؤلم فيها ليس أن أبوابًا أُغلقت، ولا أن جدرانًا ارتفعت، ولا أن طريقًا طال انتظاره… بل أن هناك من أراد، وما زال يريد، أن يقنع الفلسطيني بأن عليه أن يستأذن قبل أن يحلم، وقبل أن يرفع رأسه، وقبل أن يمد جناحيه نحو السماء.

وحين وصلني من صديق عزيز قولٌ لم أعرف قائله:

«لا تطلب الإذن بالطيران، فالأجنحة لك، والسماء ليست ملكًا لأحد.»

شعرت أنني لا أقرأ حكمةً عن عصفور.

كنت أقرأ شيئًا يشبه فلسطين وهي تنظر في عيون العالم وتقول: أنا أعرف من أكون.

ومن هنا تبدأ الحكاية.

يا لهذا العالم الذي يحب أن يمنحك تصريحًا حتى تكون نفسك!
يضع لك الحدود، ويرسم لك السقف، ثم يطلب منك أن تشكره لأنك ما زلت واقفًا تحته.

يقولون لك: انتظر.
وحين تنتظر، يقولون: فات الأوان.
يقولون: هذا هو الواقع.
فإذا حاولت تغييره، قالوا: لا تكن حالمًا.
وإذا رفضت الانحناء، قالوا: لا تكن متمردًا.
وإذا رفعت رأسك نحو السماء، سألوا: من سمح لك؟

وأنا أسألهم: ومن قال إنني بحاجة إلى إذن؟

أنا من شعبٍ اسمه فلسطين.

شعبٌ لم يولد وفي فمه طلبُ استئذان، ولم يتعلم أن الحرية منحة، ولا أن الكرامة هبة من أحد.

نحن أبناء أرضٍ كلما حاولوا أن يحولوها إلى ذكرى او منفى، خرجت من بين الركام وقالت: أنا هنا.

ولهذا، لا أريد حياةً تُدار بالخوف من الحواجز، ولا عقلًا يسكنه شرطي، ولا وطنًا يتعلم أبناؤه كيف يطلبون الإذن كي يحلموا.

كفى.

كفى أصنامًا صنعتها العادة والتردد وعفن الفساد والفاسدين، وكفى حواجز أقامها الخوف والقطط السمان لعيني الأبوين، وكفى واقعًا يُقدَّم لنا كل صباح باعتباره قدرًا لا يُمس.

الواقع ليس إلهًا.

وما اعتدناه ليس بالضرورة حقًا، وما طال بقاؤه ليس بالضرورة جديرًا بالبقاء.

وهنا يجب أن يفهم الذين يصرّون على منع العصفور من الطيران أن محاولات منعه من الطيران مكلفة جدًا. فالعصفور، إذا حاول أحدٌ أن يمنعه من الطيران، قد لا يبقى عصفورًا كما عرفوه… قد يتحول، في لحظة غضب وطني إلى طيرٍ من أبابيل، ويرمي من وقف في طريقه بحجارةٍ من سجيل.

فلا تختبروا جناحين يعرفان طريقهما إلى السماء.

هناك لحظة في حياة الشعوب وفي حياة الرجال، يصبح فيها الصمت شراكة مع العجز، ويصبح التردد خيانة للحلم، ويصبح كسر الباب أرحم من الوقوف طويلًا أمامه.

وهذه اللحظة لا تحتاج إلى إذن.

تحتاج إلى جناحين.

والأجنحة لنا.

قد نسقط… نعم.
قد ننزف… نعم.
قد يصفق لنا البعض اليوم، ويشتمنا غدًا.
وقد يقولون إننا لا نفهم قواعد اللعبة.

لكنني لا أريد أن أفهم لعبةً قواعدها مكتوبة كي أبقى في القفص.

أريد أن أفهم الحياة.

وأريد لفلسطين أن تفهم شيئًا واحدًا:

أن السماء لا تُقسَّم بالأختام، وأن الحرية لا تنتظر توقيعًا، وأن الشعوب التي تعرف اسمها لا تخاف من الطريق.

فإذا كان اسمي شعب فلسطين،
فأنا لا أطلب الإذن بالطيران.

أنا أطير.

ومن أراد أن يمنعني، فليحاول أولًا أن يمنع السماء من أن تكون سماء.

فالأجنحة لنا…
والسماء ليست ملكًا لأحد.