جاري التحميل...

حين سمع سليمان النملة… ولم يسمع “الزعماء” شعبًا كاملًا

بقلم: شادي عياد

في القرآن الكريم، لا تحتاج الحقيقة إلى جيش كي تنتصر، ولا إلى منصة كي تُسمع، ولا إلى لقبٍ رنان كي تصبح جديرة بالانتباه.

أحيانًا تكفي نملة.

نعم… نملة.

مخلوق صغير لا يكاد يُرى، يقف أمام جيش سليمان عليه السلام، فيرى ما لم يره الآخرون، ويشعر بالخطر الذي يقترب من قومه، فيصرخ:

﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

لم تكن صاحبة منصب ولا زعيمة ولا تحمل لقبًا يسبق اسمها.

لم يكن لها مكتبٌ في الطابق الأخير، ولا حرسٌ يفتحون لها الطريق، ولا موكبٌ يوقف المدينة، ولا ناطقٌ رسمي يبحث عن صياغةٍ مناسبة لشرح موقفها.

كانت تملك شيئًا واحدًا:

كانت تشعر بقومها ليس إلا.

ثم تأتي المفارقة التي تجعل هذه الآية قادرة على إحراج عصورٍ كاملة:

سليمان سمعها.

ذلك الملك الذي آتاه الله ملكًا عظيمًا، وسخّر له الجن والإنس والطير، وكان وراءه جيشٌ لا يُرى آخره… توقّف عند صوت مخلوق صغير.

لم يقل:

من سمح لهذه النملة بالتدخل؟

لم يسألها عن صفتها التمثيلية.

لم يطلب منها كتابًا رسميًا.

لم يُحِلْ صرختها إلى لجنة لدراسة تداعيات الموقف.

بل سمعها.

والأجمل أن القرآن لم يقل إنه غضب من جرأتها، بل قال:

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾.

يا لها من عظمة!

أن تكون قادرًا على أن يسمعك الجميع، ثم تظل قادرًا على سماع من لا يملك قوةً تجبرك على الإصغاء.

ومن هنا لا تعود القصة عن النمل.

إنها عن القيادة.

عن الفرق بين من يحمل السلطة، ومن يحمل مسؤولية الناس.

فالنملة لم تكن مشكلتها أنها صغيرة. كانت مشكلتها أنها رأت خطرًا على قومها، فلم تجد في الصمت حلًا.

وفي فلسطين، ما أكثر الذين يتحدثون عن الشعب، وما أقلّ المسافة أحيانًا بين حديثهم عنه وبين الإصغاء إليه.

شعبٌ كامل يقول: نحن متعبون.

غزة قالت.

والضفة قالت.

والقدس قالت وتقول كل يوم.

البيوت التي هُدمت قالت.

الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن قلن.

الشاب الذي يبحث عن فرصة، والموظف الذي ينتظر راتبه، والعامل الذي ينتظر يوم عمل، والعائلة التي تبحث عن قليل من الأمان… كلهم يقولون.

لكن المفارقة المرّة أن بعض الذين يتصدرون المشهد يحتاجون إلى تقرير كي يعرفوا ما يعرفه الناس من أول جملة، وإلى اجتماع كي يناقشوا ما تقوله الشوارع بلا محضر، وإلى مؤتمر كي يكتشفوا أن المواطن لم يعد يحتمل.

وكأن المواطن لا يُسمع إلا إذا حمل معه ختمًا رسميًا!

هنا تصبح قصة النملة مرآةً قاسية.

هي لم تطلب سلطةً كي تحمي قومها.

لم تنتظر مؤتمرًا.

لم تشكل لجنة.

رأت الخطر فقالت:

ادخلوا مساكنكم.

أما بعض أصحاب المواقع، فقد يملكون كل أدوات الوصول إلى المعلومة، ثم تفوتهم أبسط معلومة:

ماذا يشعر الناس؟

وهذا هو الفارق بين السلطة والمسؤولية.

قد تملك موقعًا عاليًا ولا ترى إلا نفسك.

وقد تكون في أسفل السلم، لكنك ترى شعبًا كاملًا في قلبك.

والنملة، وهي تحذر قومها، لم تكن ظالمة حتى في خوفها.

قالت:

﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

لم تتهم سليمان بما لم يقصده.

رأت الخطر، وسمّت الخطر، وحذّرت قومها، وبقيت منصفة.

يا لها من مدرسة سياسية مختصرة:

لا تهويل، ولا تبرير، ولا صمت. بل رؤيةٌ واضحة، وتحذيرٌ صادق، ومسؤوليةٌ تجاه الناس.

أما الكراسي التي يظن أصحابها أن ارتفاعها يرفعهم، فليتذكروا أن القرآن لم يخلّد كرسيًا من كراسي الدنيا.

خلّد كلمة نملة.

لأن القيمة ليست في حجم من يتكلم، بل في حجم ما يحمله تجاه قومه.

وهنا تبلغ الحكاية ذروتها:

ليست العظمة أن تجعل الناس يسمعونك.

العظمة أن تسمعهم.

وليس المطلوب من الزعيم أن يخاف من صوت شعبه.

المطلوب فقط ألا يصل الشعب إلى اللحظة التي يقتنع فيها أن صوته لا يصل إلى أحد.

فالنملة قالت كلمتها مرة…

وسمعها سليمان.

أما شعب كامل، فما زال يقول كلمته كل يوم.

فمن من أصحاب “الزعامة”سيسمع؟

بقلم شادي عياد