جاري التحميل...

الازمة الدبلوماسية البريطانية-الاسرائيلية وحدود التحول الفعلي

بروفيسور عوض سليمية

باحث في العلاقات الدولية

 

تواجه العلاقة التاريخية البريطانية-الاسرائيلية منذ وصول حزب العمال البريطاني للحكم عام 2024؛ توتراً متواصلاً؛ بفعل اصرار حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل على تجاهلها لمبادئ القانون الدولي ومواصلة حرب الابادة الجماعية وسياسات التطهير العرقي وعدوان الاستيطان والمستوطنين ضد الفلسطينيين. وسط هذا التوتر المتنامي، جاء قرار الحكومة الاسرائيلية بطرد الدبلوماسيين البريطانيين من القنصلية العامة في القدس الشرقية مع الاحتفاظ بالحد الادنى منهم؛ الى جانب خفض مستواها التمثيلي الى “ممثلية” كرد انتقامي على إعلان بريطانيا اعترافها بالدولة الفلسطينية؛ الى جانب اتخاذ سلسلة اجراءات عقابية ضد الاستيطان وجرائم المستوطنين.

يقول خبراء العلاقات الدولية ان “التوقيت في السياسة جزء من السياسة”. على هذا النحو، فإن بداية التصعيد البريطاني الفعلي ضد سياسات اسرائيل كان قد بدأ بالفعل منذ العام 2024 عندما فرضت حكومة حزب العمال البريطاني قيوداً على بعض تراخيص تصدير السلاح إلى إسرائيل، وفي يونيو/حزيران من العام 2025 قررت لندن فرض عقوبات على الوزيرين المتطرفين بن غفير وسموترتيش بسبب “تحريضهما المتكرر على العنف ضد الفلسطينيين”. وارتفع مؤشر تدهور العلاقات ليلامس الخطوط الحمراء الاسرائيلية مع الاعتراف البريطاني-الى جانب 11 دولة اوروبية؛ بدولة فلسطين في سبتمبر من العام نفسه. وتحت ضغط القاعدة الجماهيرية واصلت الحكومة البريطانية إظهار معارضتها لسياسات حكومة الاحتلال؛ في 8 ايلول/سبتمبر 2026 اعلنت عن حزمة عقوبات ضد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، تشمل “حظر استيراد منتجات المستوطنات غير القانونية”، “فرض عقوبات على أفراد وشركات تسهم في بنائها وتمويلها وتوسيعها”، الى جانب “منع الترويج للعقارات فيها داخل حدود المملكة المتحدة”. ولأول مرة يشير وزير الخارجية ميليباند امام مجلس العموم بوجود “تطهير عرقي للفلسطينيين يرتكبه ارهابيو الاستيطان” في الضفة الغربية.

الاستيطان؛ تنامي عنف المستوطنين وامتداده؛ وخطورة مشروع E1 الاستيطاني هي نقاط الارتكاز في تحول الموقف البريطاني. منطق لندن المُعلن على لسان رئيس الوزراء بيرنهام يقضي بوجوب تطبيق القوانين الدولية ذات الصلة بالصراع الاسرائيلي-الفلسطيني والانتقال الفوري الى ترتيبات تنفيذ حل الدولتين؛ بإعتباره الطريق الوحيد الذي يضمن سيادة الامن والاستقرار في المنطقة. في هذا الموقف، حاولت بريطانيا الحفاظ على الخط الفاصل بين استمرار العلاقة الطبيعية بين البلدين وبين فرض تكلفة على السياسات الاسرائيلية الهادفة لتدمير حل الدولتين، وحصرت التدابير والاجراءات المعلنة ضد المستوطنات والأنشطة الداعمة والممولة للمشاريع الاستيطانية وجرائم المستوطنين؛ دون التلويح بإنهاء العلاقات البريطانية الإسرائيلية برمتها.

من ناحيتها، تنظر حكومة الاحتلال الى الاجراءات البريطانية باعتبارها إجراءات معادية لاسرائيل وتدخل في “شؤونها الداخلية”. ولذلك، كان الرد الاسرائيلي حاضراً؛ ورفعت اسرائيل مستوى المواجهة من المجال الاقتصادي الى المستوى الدبلوماسي، عندما قررت طرد الدبلوماسيين البريطانيين من القنصلية العاملة في القدس الشرقية والتي تقدم خدماتها للفلسطينيين، وخفضت مستوى تمثيلها الى “ممثلية”؛ مع الابقاء على عدد محدود من موظفيها لتجنب الاغلاق الكامل لأقدم نقطة اتصال دبلوماسي في المنطقة.

إعلامياً، كان التباين الوارد في شرح الرواية بين الطرفين واضحاً. من جانبها؛ تدعي اسرائيل انها نفذت تهديداتها وانهت عمل القنصلية بصفتها الرسمية السابقة، وطردت عدداً كبيراً من الدبلوماسيين. هذه الرواية يمكن تسويقها بسهولة في اوساط المستوطنين وأنصار اليمين المتطرف، بعد انتشار فيديوهات سجلت مغادرة الدبلوماسيين لمبنى المقر وإنزال اللافتة التي تحمل عبارة “القنصلية البريطانية العامة” من على مبنى القنصلية. في المقابل، فإن عدم إغلاق القنصلية نهائياً مع الابقاء على مستوى محدود من الموظفين، يمنح حكومة داونينج ستريت مساحة كافية لسرد روايتها امام قاعدتها الانتخابية وتأكيد بقائها في القدس؛ وبالتالي قدرتها على تقديم خدماتها للفلسطينيين في المدينة المحتلة. في الوقت نفسه؛ لم تتراجع عن قراراتها ضد المستوطنات، ولم تتخلى عن موقفها الثابت باعتبار القدس ارضاً محتلة وفقاً للقانون الدولي.

الحسابات السياسية والعلاقات التاريخية بين الطرفين المرتبطة بالاعتبارات الامنية والاقتصادية يبدو انها دفعت الطرفين للتوصل الى تسوية يمكن وصفها بمعادلة الاحتواء المؤقت للازمة. من ناحية؛ تجنبت بريطانيا -حتى الان؛ الردود الانتقامية على الخطوة الاسرائيلية- المعاملة بالمثل وطرد الدبلوماسيين الاسرائيليين كما وعدت في 8 اكتوبر، بينما قبلت اسرائيل استمرار عمل “الممثلية” وعدم اختفاء الوجود البريطاني من القدس؛ في مركز هذه المعادلة، تجنب الطرفان الدفع بالأمور نحو الهاوية مع إبقاء مساحة للمناورة وفقاً للظروف الناشئة بعد الانتخابات الاسرائيلية المقررة يوم 27 من هذا الشهر.

الخطوات البريطانية في نقل الخلاف من مستوى السرد الخطابي الى المستوى الاجرائي ليس حدثاً استثنائياً ولا يبدو مساراً لتشديد جدار العزل السياسي على اسرائيل؛ بقدر ما هو جزء من نمط سياسي أوسع آخذ بالتشكل داخل اروقة السياسة وصناعة القرار في غالبية دول العالم؛ هذا الحراك الاممي تم توثيقه بوضوح على منصة الامم المتحدة في دورتها الــ81. كما ان محدودية هذه الاجراءات لا تعكس حتى الان اعترافاً سياسياً صريحاً بحجم الكارثة التي أسهم ارثها الاستعماري في زراعة بذورها ومآسيها المستمرة على الشعب الفلسطيني. وبالتالي فإن هذه الإجراءات التكتيكية لا يمكن ان تتحول الى مظلة سياسية لإعفائها من التجريم القانوني وتحمل مسؤولياتها التاريخية؛ وتبعات ما ترتب عليها منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917. فالمقياس الحقيقي لأي مراجعة للسياسة البريطانية من منظور فلسطيني؛ ليس بمقدار ما تتخذه لندن من تدابير انتقائية، بل يتعدى ذلك الى مدى استعدادها للتعامل الجاد مع تبعات ارثها الاستعماري، والعمل الحقيقي على إعادة الحقوق المسلوبة لأصحاب الارض الاصليين.