بقلم: د. محمود أبو زبيدة – الجزائر
– القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
في ذكرى استشهاد أخي الحبيب مجد أبو زبيدة، نستحضر حكاية إنسانٍ لم يكن مجرد اسم في سجل الشهداء، بل كان قصة انتماء وعطاء، ونموذجًا من أبناء فلسطين الذين حملوا هموم شعبهم في قلوبهم، وجعلوا من مساعدة الآخرين واجبًا، ومن الوقوف إلى جانب أهلهم ورفاقهم عهدًا لا يتبدل مهما اشتدت المحن وتعاظمت التضحيات.
تمر الذكرى الثانية لاستشهاده، وما زالت صورته حاضرة في ذاكرة أهله وأحبته وأبناء مخيمه، مخيم البريج، الذي شهد تفاصيل حكايته الإنسانية والوطنية. عامان مضيا، لكن الغياب لم يستطع أن يمحو الأثر، ولم تستطع الأيام أن تطفئ حضور مجد في قلوب من عرفوه، لأن الذين يتركون خلفهم سيرةً طيبة ومواقف صادقة لا يغيبون عن الذاكرة، بل يتحولون إلى جزء من وجدان المكان والناس.
مجد.. حكاية إنسان من رحم المخيم
لم يكن مجد أبو زبيدة بحاجة إلى الأضواء ليصنع مكانته بين الناس؛ فقد كانت مواقفه تتحدث عنه، وكانت إنسانيته عنوان حضوره. عرفه أهله ورفاقه شابًا مبادرًا، معطاءً، متعاونًا ومتسامحًا، لا يتردد في مد يد العون لمن يحتاجها، ولا ينتظر مقابلًا لما يقدمه، ولا يسأل عن حجم المخاطر حين يتعلق الأمر بسلامة الآخرين ومساعدتهم.
في أزقة مخيم البريج، حيث تتشكل الحكايات الفلسطينية من تفاصيل الحياة اليومية، وحيث يتعلم الإنسان معنى الصبر والتكافل منذ طفولته، نسج مجد علاقته بالناس من خيوط المحبة والوفاء. كان قريبًا من أهله وخلانه، حاضرًا في أوقات الشدة، ومبادرًا إلى مساندة أبناء شعبه خلال النزوح وتحت القصف، حين تصبح أبسط صور المساعدة فعلًا عظيمًا، وحين يحتاج الناس إلى من يشاركهم الخوف والتعب، ويمنحهم شيئًا من الطمأنينة وسط ركام المأساة.
لم يكن يهاب المخاطر التي تحيط بأبناء شعبه، ولم تدفعه قسوة الظروف إلى التخلي عن واجبه الإنساني. كان يدرك أن الوقوف إلى جانب الناس في محنتهم ليس شعارًا يقال، بل موقف يُترجم إلى فعل، وأن قيمة الإنسان الحقيقية تظهر حين يختار أن يكون سندًا لغيره في أصعب اللحظات.
وهكذا بقي مجد في ذاكرة مخيمه: أخًا وصديقًا ورفيقًا، وصاحب سيرة تركت أثرها في نفوس من عرفوه، وأثبتت أن البطولة ليست دائمًا في الكلمات الكبيرة، بل قد تكون في يد تمتد لإنقاذ إنسان، وفي موقف شجاع، وفي قلب يرفض أن يترك الآخرين وحدهم في مواجهة الألم.
من وجع الفقد تولد إرادة الحرية
إن الحديث عن مجد ليس حديثًا عن الفقد وحده، بل عن فلسطين التي تنجب أبناءها من رحم المعاناة، وعن الأجيال التي تكبر في المخيمات وهي تحمل في ذاكرتها حكايات اللجوء والصمود، وفي وجدانها حلم العودة والحرية والكرامة.
في خضم المعارك والمحن، يولد الأبطال جيلًا بعد جيل، لا لأن الموت غاية، بل لأن الحياة الكريمة والحرية والعدالة تستحق أن يتمسك بها الإنسان مهما طال الطريق. ومن أزقة المخيمات، ومن بين ركام البيوت ودموع الأمهات، يخرج أبناء يؤمنون بأن شعبًا يملك هذه الإرادة لا يمكن أن تنتهي حكايته عند حدود المأساة.
لقد علّمتنا التجربة الفلسطينية أن طريق الحرية ليس مفروشًا بالورود، وأن الوصول إلى الحقوق المشروعة يحتاج إلى صبر وثبات ووحدة موقف، وإلى قدرة على تحويل الألم إلى إرادة، والتضحيات إلى مسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه الأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن استذكار الشهداء لا ينبغي أن يكون مناسبة للحزن فقط، بل فرصة لتجديد العهد بأن تبقى فلسطين حاضرة في ضميرنا، وأن تظل حقوق شعبنا غير قابلة للمساومة، وأن يكون الوفاء لتضحيات الشهداء التزامًا حقيقيًا بالحرية والكرامة والعدالة.
نعم للثوابت الوطنية الفلسطينية
في ذكرى مجد، نجدد تمسكنا بالثوابت الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق شعبنا في الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفقًا للقرارات الدولية ذات الصلة.
إن هذه الحقوق ليست منحة من أحد، ولا وعودًا مؤجلة تنتظر تبدل الظروف أو تغير موازين المصالح. إنها حقوق وطنية وتاريخية مشروعة، تستند إلى عدالة قضيتنا وإلى حق شعبنا في أرضه وحريته وكرامته.
فالحق لا يسقط بالتقادم، ولا تصنع الوعود وحدها حرية الشعوب، ولا تتحقق العدالة ما لم تتحول الالتزامات إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع.
لقد أثبتت عقود طويلة من المعاناة أن شعبنا لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تتكرر أمام المآسي، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية جادة، وموقف وطني موحد، وتحرك مسؤول يضع إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية في مقدمة الأولويات.
إن الوفاء للشهداء يقتضي ألا تتحول تضحياتهم إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار، وألا تصبح أسماؤهم حاضرة في المناسبات وغائبة عن برامج العمل الوطني. بل يجب أن تبقى سيرتهم دافعًا لمراجعة واقعنا، وتعزيز وحدتنا، وحماية نسيجنا الاجتماعي، وترسيخ ثقافة المسؤولية والتكافل بين أبناء شعبنا.
ففلسطين أكبر من الانقسامات، وأغلى من المصالح الضيقة، وقضيتنا العادلة تستحق أن تتوحد الجهود والطاقات من أجلها، حتى نكون أوفياء لتضحيات كل من قدم حياته دفاعًا عن شعبه وحقه في الحياة الحرة الكريمة.
شهداؤنا فخرنا وعزتنا
حين نتحدث عن مجد، فإننا نتحدث أيضًا عن آلاف الحكايات الفلسطينية التي لم تجد طريقها إلى صفحات التاريخ، وعن أمهات وآباء وأخوة وأصدقاء يحملون وجع الفقد بصمت، وعن عائلات تحاول أن تجمع شتات حياتها وسط واقع لا يتوقف فيه الألم.
نتحدث عن أبناء مخيماتنا الذين عرفوا النزوح والقصف والخوف، لكنهم تمسكوا بروابط المحبة والتكافل، وعن أولئك الذين يهبّون لمساعدة جيرانهم وأقاربهم وأبناء شعبهم في أحلك الظروف، مؤمنين بأن الإنسان لا يواجه المأساة وحده ما دام حوله من يشاركه الهم ويحمل معه المسؤولية.
لقد ترك مجد أثرًا في نفوس أهله وأصدقائه وأبناء مخيمه، وسيبقى اسمه مرتبطًا بما عرفوه فيه من شهامة ومبادرة وتسامح وحرص على الآخرين. وهذه هي الذاكرة التي لا تستطيع قسوة الأيام أن تنتزعها؛ ذاكرة الإنسان بما زرعه في قلوب الناس، وبما تركه من محبة ومواقف صادقة.
إن الشهداء فخرنا وعزتنا، لكن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون بتمجيد الموت، بل بالتمسك بالحياة والحرية والكرامة التي يستحقها شعبنا، وبالعمل من أجل مستقبل لا يضطر فيه أطفال فلسطين إلى أن يكبروا تحت القصف، ولا تضطر فيه العائلات إلى حمل ما تبقى من حياتها في رحلة نزوح جديدة.
من حق أطفال فلسطين أن يعيشوا طفولتهم، ومن حق أمهاتنا أن ينمن مطمئنات، ومن حق عائلاتنا أن تعيش في بيوتها بأمان، ومن حق شعبنا أن يقرر مصيره على أرضه، بعيدًا عن الاحتلال والخوف والتشريد.
هذه هي المعاني التي تجعل ذكرى الشهداء مسؤولية تتجاوز حدود العائلة إلى الوطن بأكمله.
لمجد.. عهد لا ينكسر
أخي مجد، في ذكراك الثانية، لا أكتب إليك بصفتي أخًا فقد أخاه فحسب، بل بصفتي فلسطينيًا يرى في حكايتك صورةً من حكايات شعبنا الذي دفع أثمانًا باهظة في سبيل حريته وكرامته.
أكتب عنك لأنك تستحق أن تُروى حكايتك، ولأن ما تركته في نفوس أهلك ورفاقك وأبناء مخيمك أكبر من أن تختصره لحظة وداع. أكتب عنك لأن اسمك سيبقى حاضرًا في ذاكرتنا، ولأن المواقف التي عشتها ستظل شاهدة على أن قيمة الإنسان فيما يقدمه للآخرين، وفيما يتركه من أثر طيب بعد رحيله.
رحلت جسدًا، لكن حكايتك لم ترحل. بقيت في ذاكرة من عرفوك، وفي تفاصيل المكان الذي أحببته، وفي دعوات أهلك ومحبيك، وفي كل موقف يستعيد فيه أحدهم مبادرتك أو شهامتك أو وقوفك إلى جانبه في وقت الشدة.
وسنظل نروي حكايتك للأجيال القادمة، لا لنحصرها في لحظة الاستشهاد، بل لنعرفهم إلى الإنسان الذي كنت عليه، وإلى المعاني التي جسدتها في حياتك: الوفاء، والتكافل، والتسامح، والشجاعة، والانتماء الصادق إلى الناس والوطن.
في ذكراك، نعاهدك أن تبقى فلسطين بوصلتنا، وأن تبقى حقوق شعبنا ثوابت لا تتبدل، وأن نظل متمسكين بحلم الحرية والاستقلال والعودة، وأن نعمل من أجل وحدة وطنية حقيقية تحفظ تضحيات شعبنا وتفتح أمام أجياله طريقًا نحو مستقبل أكثر أمنًا وعدالة وكرامة.
فمن رحم المعاناة يولد الأمل، ومن ذاكرة المخيمات تنطلق حكايات الصمود، ومن الوفاء للشهداء نستمد مسؤوليتنا في مواصلة العمل الوطني والإنساني حتى تتحقق تطلعات شعبنا المشروعة.
مجد أبو زبيدة، يا أخي، يا ابن مخيم البريج، ستبقى حكايتك حاضرة، وسيبقى اسمك جزءًا من ذاكرة المكان الذي أحببته، ومن وجدان أهلك وأحبتك.
سلامٌ على روحك الطاهرة، وسلامٌ على أرواح شهداء فلسطين جميعًا، والحرية لأرضنا، والكرامة لشعبنا، والوفاء لمن رحلوا وهم يحملون في قلوبهم حب فلسطين.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والحرية لفلسطين، والنصر لحقوق شعبنا العادلة.