بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين
كم يحتاج وطننا العربي إلى شجاعة معرفية وأخلاقية تواجه فقهاء التحيّز والانتقاء، أولئك الذين يتخذون من الحقيقة عباءةً يرتدونها حين تخدم مصالحهم، وينزعونها حين تصبح شاهداً على تناقضاتهم! وكم يحتاج وعينا الجمعي إلى يقظةٍ تميّز بين النقد الذي يضيء العتمة، والهجاء الذي يصنعها، وبين الاختلاف الذي يثري الحياة، والإقصاء الذي يريد للحياة أن تتكلم بصوت واحد، وتفكر بعقل واحد، وتسير في الاتجاه الذي ترسمه المصالح والأجندات!
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، مهما اشتدّ، بل أن يتحول الاختلاف إلى ذريعةٍ لتزوير الوقائع، وأن يصبح الانتقاء بديلاً من الموضوعية، والتحيّز بديلاً من الإنصاف، والتضليل بديلاً من المعرفة. عندئذٍ لا يعود الخطاب وسيلةً لفهم العالم، بل يتحول إلى أداةٍ لإعادة تشكيله وفق أهواء أصحابه؛ فيرفع ما يخدمهم، ويحذف ما يفضحهم، ويضخّم ما يبرر مواقفهم، ويطمس ما يكشف ازدواجية معاييرهم.
هؤلاء لا ينظرون إلى الحقيقة باعتبارها قيمةً مستقلة تستحق الدفاع عنها، بل باعتبارها مادةً قابلة للتقطيع والتأويل والتوظيف. يختارون من الوقائع ما يوافق أحكامهم المسبقة، ويستبعدون ما ينقضها، ثم يخرجون على الناس بخطابٍ متماسك في ظاهره، متهافت في جوهره؛ لأن بنيانه لم يُشَيَّد على البحث والتقصّي، وإنما على الرغبة في إثبات ما تقرر سلفاً. إنهم لا يسألون: أين الحقيقة؟ بل يسألون: كيف نجعل الحقيقة في خدمتنا؟
ومن هنا تبدأ صناعة التضليل؛ لا بالكذب الصريح وحده، وإنما أيضاً بنصف الحقيقة، وبالصمت الانتقائي، وباجتزاء السياقات، وبإضاءة زاويةٍ واحدة من المشهد، ثم الادعاء بأن تلك الزاوية هي المشهد كله. فكم من واقعةٍ أُخرجت من سياقها لتبدو جريمةً وهي ليست كذلك، وكم من جريمةٍ أُحيطت بسياجٍ من التبريرات حتى غدت، في خطاب أصحاب المصالح، ضرورةً أو بطولةً أو دفاعاً عن قيمةٍ مزعومة!
إن فقيه التحيّز بارعٌ في اختراع الذرائع؛ فإذا أدان فعلاً عند خصمه، التمس له ألف مبرر عند حليفه، وإذا استنكر انتهاكاً في مكانٍ ما، غضّ الطرف عن مثله في مكانٍ آخر. وحين يُسأل عن هذا التناقض، يستدعي قاموساً من التأويلات والمصطلحات الملتبسة، كأن اللغة خُلقت لتبرئة الأقوياء وإدانة الضعفاء، وكأن العدالة ميزانٌ ذو كفتين لا تتساويان إلا في الخطب والشعارات.
ولعل المأساة الأشدّ قسوةً أن هذا المنهج لا يظل حبيس الأفراد، بل يتسلل إلى المؤسسات والمنابر والمنصات الإعلامية، ويتخذ من النفوذ وسيلةً لتكريس نفسه. فيغدو بعض المتعالمين والمتثاقفين أوصياء على الوعي العام، يوزعون شهادات الصواب والخطأ بحسب الولاء، ويحتكرون حق الكلام لأنفسهم، فيما يدفعون المختلفين معهم إلى هوامش المشهد، أو يلاحقونهم بالتشويه والتخوين والتبخيس. وهكذا يصبح الصخب بديلاً من الحجة، والانتشار بديلاً من القيمة، والقدرة على التأثير بديلاً من استحقاقه الأخلاقي والمعرفي.
لكن هؤلاء، على ما يبدو عليه خطابهم من ثقةٍ واستعلاء، يكشفون عن هشاشةٍ عميقة؛ إذ إن صاحب الحجة لا يخشى السؤال، وصاحب المعرفة لا يستوحش النقد، أما من يتكئ على التضليل فيحتاج إلى إسكات الآخرين، لأن صوت الحقيقة يهدد البناء الذي أقامه على الانتقاء. إنه يريد مرآةً لا تعكس إلا الصورة التي يحبها، وسماءً لا تظهر فيها إلا النجوم التي يختارها، وأرضاً لا تنبت إلا الأفكار التي توافق هواه.
ولذلك تبدو عيونهم، استعارةً، أشبه بنوافذ أُغلقت على الضوء؛ لا ترى في الكأس إلا نصفها الفارغ، ولا في السماء إلا غيومها، ولا في الدواء إلا مرارته، ولا في المختلف إلا ما يتيح إدانته. إنهم يفتشون عن العيب قبل أن يفهموا السياق، وعن الإدانة قبل أن يستكملوا الأدلة، وعن موضعٍ يعلقون عليه أخطاءهم قبل أن يسألوا أنفسهم عن نصيبهم منها. وما أكثر الذين يتقنون محاكمة العالم، فيما يعجزون عن إخضاع مواقفهم لمعيارٍ واحد من النزاهة!
وليس النقد، في المقابل، أن نغض الطرف عن السلبيات أو أن نوزع المديح على الجميع؛ فالنقد الحقيقي يقتضي تسمية الأخطاء بأسمائها، وكشف الفساد حيثما وجد، ومساءلة أصحاب السلطة والنفوذ بلا استثناء. غير أن الفارق الجوهري بين النقد والتحامل يكمن في المنهج والغاية: النقد يستند إلى الوقائع، ويتوخى الفهم والإصلاح، ويقبل مراجعة أحكامه؛ أما التحامل فينطلق من موقفٍ سابق، ثم يبحث عن الوقائع التي تخدمه، ويقاوم كل دليلٍ يهدد استمراره. الأول يفتح أبواب المعرفة، والثاني يغلقها باسم امتلاكها.
ومن هنا، فإن مواجهة فقهاء التحيّز لا تكون باستنساخ أدواتهم، ولا بإقامة محاكم مضادة للإقصاء، ولا باستبدال انحيازٍ بانحيازٍ آخر؛ فذلك لا يهدم منظومة التضليل، بل يعيد إنتاجها بأسماء جديدة. المواجهة الحقيقية تبدأ بترسيخ ثقافة المساءلة، واحترام الاختلاف، والتحقق من المعلومات، والفصل بين الرأي والحقيقة، وبين النقد الشخصي والحكم الموضوعي. وتحتاج كذلك إلى إعلامٍ مستقل، وتعليمٍ ينمّي التفكير النقدي، ومؤسساتٍ لا تمنح النفوذ حصانةً من المحاسبة، وفضاءٍ عام لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى خضوعه أو توافقه مع أصحاب الصوت الأعلى.
إن أوطاننا العربية ليست بحاجةٍ إلى مزيدٍ من حرّاس العتمة، بل إلى عقولٍ تجرؤ على مساءلة المسلّمات، وضمائر لا تساوم على كرامة الإنسان، وأقلامٍ لا تجعل الحقيقة رهينةً لمصلحةٍ عابرة. فالأمم لا تنهض حين يتفق الجميع على روايةٍ واحدة، وإنما حين تتوافر لها الشجاعة الكافية لاختبار الروايات، وتمحيص الأدلة، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الموقف الأخلاقي والمصلحة المقنّعة.
أما فقهاء الانتقاء والإقصاء، فمهما علا ضجيجهم، لن يستطيعوا إلى الأبد حجب الشمس بغربال المصالح، ولا تحويل الأكاذيب إلى حقائق بمجرد تكرارها، ولا إقناع التاريخ بأن الوقائع التي أخفوها لم تقع. فقد تنجح السلطة في إسكات شاهد، وقد ينجح التضليل في خداع جمهورٍ لبعض الوقت، لكن الذاكرة لا تُمحى بإرادة المتنفذين، والحقائق لا تفقد وجودها لأن أحداً قرر تجاهلها.
فإلى متى يبقى التحيّز فقيهاً في منابرنا، والانتقاء قاضياً في محاكم وعينا، والإقصاء حارساً على أبواب ثقافتنا؟
إن معركتنا الحقيقية ليست مع أشخاصٍ نريد اقتلاعهم، بل مع منظومةٍ من الأفكار والممارسات التي تمنحهم القدرة على تضليل الناس وتهميشهم. وواجبنا أن نقتلع جذور هذه المنظومة بالوعي والعدالة وحرية التفكير، لا أن نقتلع الإنسان من حقه في الاختلاف. فالحقيقة لا تحتاج إلى جلادٍ يحرسها، بل إلى عقلٍ ينيرها، وضميرٍ يصونها، ومجتمعٍ يرفض أن تكون الكلمة سكيناً في عنق الإنسان، أو أن يصبح الاختلاف جريمةً تستوجب النفي من فضاء الحياة.
حينئذٍ فقط، نستطيع أن نعيد للكلمة شرفها، وللنقد رسالته، وللثقافة دورها في تحرير الإنسان؛ لأن أخطر الظلمات ليست تلك التي تطفئ المصابيح، بل تلك التي تقنع الناس بأن العتمة هي النور، وأن التحيّز عدالة، وأن الإقصاء فضيلة، وأن الصمت أمام الحقيقة حكمة.
فهل نمتلك الشجاعة لنحرّر وعينا من فقهاء العتمة، قبل أن يعتاد مجتمعنا الظلام إلى الحد الذي يفقد فيه القدرة على التعرّف إلى الضوء؟