جاري التحميل...

المفكر د. عدنان عويد يتحدث عن مشروعة الفكري والنقدي والتنويري

عن مجلة مصر المحروسة 

من سؤال النص إلى سؤال النهضة:
القاهرة 13 أكتوبر 2026 الساعة 10:36 م
حوار: حسن غريب أحمد
في المشهد الثقافي العربي المعاصر، ثمة أسماء لا يمكن مقاربة تجربتها من خلال عناوين الكتب وحدها، لأن مشروعها يتجاوز حدود التخصص الأكاديمي الضيق إلى الاشتباك مع الأسئلة الكبرى التي تؤرق العقل العربي: سؤال النهضة، والتنوير، والعقلانية، والهوية، والمواطنة، وعلاقة المثقف بالسلطة، وموقع الأدب في بنية المجتمع والتحولات التاريخية.
ومن هذه القامات الفكرية والنقدية يبرز الباحث والناقد السوري الدكتور عدنان عويد، الذي امتد مشروعه المعرفي بين النقد الأدبي والفكر الفلسفي والسياسي والاجتماعي، جامعًا بين التكوين الأكاديمي في العلوم السياسية والانشغال العميق بقضايا الأدب ومناهجه، وبين قراءة النص بوصفه بنية جمالية ودلالية، وقراءته كذلك بوصفه تعبيرًا عن وعي اجتماعي ورؤية للعالم.
ولا تنبع أهمية تجربة عويد من تعدد حقول اشتغاله فحسب، وإنما من محاولته بناء جسور بين النص وسياقه، وبين الجمالي والاجتماعي، وبين الأدبي والفلسفي والسياسي. فمن البنيوية التكوينية والأسلوبية والمنهج الواقعي إلى قضايا التنوير والنهضة والديمقراطية والمواطنة، يتشكل أمامنا مشروع نقدي يرى أن الأدب لا يعيش خارج التاريخ، وأن النص، مهما بلغت استقلاليته الجمالية، يظل متصلًا بأسئلة الإنسان والمجتمع والوعي.
وفي اشتغاله على مفاهيم مثل «رؤية العالم»، و«الوعي القائم والوعي الممكن»، و«البنية الدالة»، والانزياح، والأسلوب، والعقلانية، والوعي المطابق، يستدعي عويد عددًا من المرجعيات الفكرية والنقدية الكبرى، من لوسيان غولدمان وجورج لوكاتش إلى دي سوسير ورومان جاكبسون، غير أن أهمية تجربته لا تكمن في استحضار هذه المرجعيات بقدر ما تكمن في كيفية تحويلها إلى أدوات لفهم الواقع العربي ونقد أزماته.
ومن هنا تبدو قضية التنوير في مشروعه امتدادًا طبيعيًا لقضيته النقدية؛ فمقاومة الجمود الفكري والعقل النقلي والأصوليات لا تنفصل لديه عن تحرير القراءة من أسر القوالب الجاهزة، وإعادة الاعتبار إلى العقل النقدي القادر على مساءلة المسلمات، والكشف عن البنى التي تنتج التخلف والاستبداد وأزمة الهوية.
كما يحتل المثقف موقعًا مركزيًا في هذا المشروع؛ فالسؤال عن الثقافة سرعان ما يقود إلى السؤال عن السلطة، والسؤال عن الأدب يقود إلى المجتمع، والسؤال عن النهضة يقود بالضرورة إلى الإنسان العربي وشروط حريته ووعيه ومواطنته. ولذلك فإن محاورة الدكتور عدنان عويد ليست استعادةً لمسيرته الفكرية بقدر ما هي محاولة لفتح عدد من الملفات التي ما زالت معلقة في الثقافة العربية، وإعادة طرحها على ضوء التحولات العميقة التي يشهدها عالمنا العربي.
في هذا الحوار نقترب من تجربته النقدية والفكرية، ونسأله عن المنهج حين يتحول من أداة لقراءة النص إلى رؤية للعالم، وعن حدود العلاقة بين الأدب والواقع، وعن جدوى المناهج النقدية في زمن التحولات المعرفية، وعن مشروع النهضة والتنوير، وعن أزمة المثقف العربي، وعن السلطة والثقافة، وعن المواطنة والهوية، وعن قدرة النقد على أن يكون فعل معرفة ومقاومة، لا مجرد ممارسة أكاديمية تدور داخل جدران المؤسسات.
إنها محاولة للإنصات إلى تجربة فكرية طويلة، لا بهدف الاحتفاء بها فقط، وإنما لمساءلتها أيضًا؛ لأن الحوار الحقيقي مع الفكر لا يبدأ من الإجابات الجاهزة، بل من الأسئلة التي تظل قادرة على إزعاج اليقين وفتح الطريق أمام معرفة أكثر اتساعًا ووعيًا.
س1- كيف يستطيع الناقد الأدبي العربي اليوم تطبيق مفهوم ( البنية الدالة) لسبر أغوار النص دون الوقوع في التأويل الاجتماعي المباشر الذي يلغي جماليات اللغة واستقلاليتها النسبية؟
ج1– الناقد الرصين هو مثقف على درجة عالية ..بل يجب أن يكون مثقفا مطلعا على العديد من الأنساق المعرفية في السياسة والاقتصاد والفلسفة والتاريخ والأدب والفن.. وبالتالي هذه السعة المعرفية إذا كان مثقفا عضويا أو ملتزما بقضايا شعبه تفرض عليه أن يتعامل مع النص الذي يعرض عليه من منطلق إنساني ..أي اعتبار الإنسان هدفه …وهذا يتطلب منه البحث في بنية النص الداخلية والخارجية معا.. أي النظر في مضمون النص وما مدى تعبيره عن حاجات الإنسان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية …لذلك على الناقد هنا أن ينظر في الظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط بالكاتب وكيف استطاع أن يوظف أفكاره في إظهار القضايا التي تهم مجتمعه والإنسان عموما.. في الوقت الذي لا يهمل الشكل الذي يحيط ببنية النص الداخلية وتأتي اللغة هنا أهم وسيلة يستخدمها الكاتب أو الأديب في كتابة نصه وصياغة البنية السردية أو الحكائية للنص ..وهنا نقف عند قدرة الكاتب على استخدام اللغة في مفرداتها وجملها وتراكيبها وصورها ورموزها وتناصها وانزياحاتها وغير ذلك من استخدامات تحقق الدهشة والمتعة والمنفعة معا للمتلقي.. وبذلك يكون الأديب قد حقق عملية الربط بين الشكل والمضمون في نقده.. أي بين أهمية الأفكار والقضايا في مجتمعه التي سلط عليها الضوء وبين جمالية اللغة وصياغتها وقدرتها على تحريك أحاسيس وخلجات النفس وعشقه للجمال من درجة ثانية وهذا لن يتحقق إلا من خلال المناهج السياقية التي تربط بين الواقع والفكر كمنهج الانعكاس لجورج لوكاش ..أو المنهج الواقعي. والمنهج البنيوي التكويني.. الخ.
س2- في حالة التشظي السياسي والتفتيت الاجتماعي التي يعيشها الوطن العربي …كيف يمكن المبدع والناقد صياغة أو استكشاف رؤية عالم منسجمة ومتماسكة داخل النص الأدبي؟
ج2- لا شك أن عالمنا العربي عالم متخلف في معظم مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ..نحن مجتمعات عشيرة وقبيلة وطائفة وفرقه وزعيم أوحد وشيخ. نحن مجتمعات متخلفة حضاريا ودولنا لم تزل دول ما قبل الدول المدنية ..فهي دول غنيمة في الحقيقة.
وهذا الواقع المتخلف المزري انعكس بالضرورة على الكاتب والناقد معا.. فبالنسبة للكاتب نرى الكثير من الكتاب قد انساق وراء تخلف واقعه وراح يوظف قلمه لمصلحة انتماءاتهم الضيقة من جهة أو خدمة لسيده السلطان من جهة ثانية وهذا ما ساهم في خلق أدب رخيص لم يستطع الارتقاء بمصالح الفرد والمجتمع من خلال تحريك عقل ووعي المتلقي لمشاكله وأسباب تخلفه حيث نجد الكاتب أو الأديب يلهث وراء التقليد والحداثة الشكلية ومحاولة الاشتغال على مناهج وأساليب غربية بشكل خاص راحت هي ذاتها تبتعد عن قضايا الإنسان وهمومه ..ليس عيبا أن تتأثر بالشعر الحديث ( النثر) مثلا وتكتب فيه .. ولكن العيب أن تكتب في قضايا لا تلامس هموم المجتمع…وليس العيب على الناقد أن يهتم بمدارس النقد الأدبي ..ولكن العيب أن يتخذ من هذا المنهج وسيلة وحيدة في النقد كأن يتمسك بالمنهج البنيوي والتفكيكي وموت المؤلف والسيميائي ..هنا تكمن مشكلة الناقد والكتاب في عالمنا العربي.. من الضرورة كما بينت أن نقرأ المناهج النقدية والتجارب الغربية في صياغة أدبنا ولكنا علينا أن نستخدم منها من يساهم في الرفع من المتلقي العربي وعيا وذوقا جماليا..
لقد تبنينا الواقعية الاشتراكية في ستيينيات القرن الماضي ورفضنا غيرها فكانت النتيجة سقوط الأنظمة الاشتراكية فسقط معها المنهج الواقعي الاشتراكي ..وهكذا.
نحن بحاجة في الواقع لكاتب وناقد ملتزم بقضايا الفرد والمجتمع وكشف أسباب تخلفنا وتبيان سبل نهوضنا وهذا يتحقق من خلال ما أشرت إليه في إجابتي عن السؤال الأول.
س3- إلى أي مدى نجحت الرواية العربية المعاصرة في الانتقال من مجرد تسجيل الوعي القائم إلى آفاق الوعي الممكن المحفز للتغيير والنهضة؟
ج3- لا شك أن الرواية العربية قد تقدمت كثيرا وأصبح لها كتابها من الجنسين من جهة ..ولها متلقيها أيضا في عالمنا العربي من جهة ثانية ..وذلك بسبب لا أقول سقوط النسق الشعري في الأدب بعد أن ظهر ما هب ودب من كتابه المتأثرين بالشعر الحر وإنتاج عالم من القصائد التافهة البعيدة عم هموم الإنسان والإغراق في الذاتية وغياب فنيات الشكل في النص
.. هذا في المقابل نجد كتاب وكاتبات. قد أسهموا حقيقة في رفع شأن الرواية العربية وأخص ما سمي بالأدب النسوي حيث رحنا نجد روائيات من السعودية ومصر والمغرب العربي على سبيل المثال لا الحصر رحن يكتبن عن قضايا المرأة وحريتها وسيطرة مجتمع الذكورة عليها ..فكتبن في حرية الرأي وحرية الجسد وحرية الخلاص من عالم المرأة المكبل بالجهل والتخلف.
وعلى مستوى آخر نجد كتاب رواية راحوا يعالجون قضايا تخلف المجتمع بكل مستوياته ويربطون أدبهم أي فكرهم بقضايا واقهم فكان هناك أدب سياسي اشتغل على قهر وظلم واستعباد القوى الحاكمة لشعوبها.. وكان هناك أدب اشتغل على دور ومكانة وسادية الأجهزة الأمنية وتسلطها على أبناء المجتمع وكان هناك أدب الهجرة والغربة ومعاناتهما وأسباب قيامهما.. إلخ.
س4- اعتبرتم في كتاباتكم أن النص لا يأتي من فراغ.. بل له مضمونه الواقعي الذي ينقله الكاتب فكريا وفنيا إلى الورق.. كيف تتقاطع هذه الرؤية مع نظرية الانعكاس في المادية التاريخية.. وما هي الفروق الجوهرية التي تجعل المقاربة التكوينية أكثر مرونة في قراءة النصوص المعقدة؟
ج4- الفكر بعمومه ومنه الأدب لا يفرخ مجردا ..وأي فكر يظهر بدون ارتباطه بالواقع هو فكر يقوم على الوهم والامعقول ..الواقع هو من يحدد الفكر الذي يعكسه في أنساق معرفية يحددها الإنسان.
من هذا المنطلق القائم على ربط الفكر بالواقع عند جورج لوكاش في منهجه النقدي.. وهذا ما يتفق مع المنهج المادي التاريخي أيضا تأتي العلاقة أو المقاربة بين نظرية الانعكاس والنظرية المادية التاريخية. وبالتالي تأتي المقاربة من النظريتين بالنسبة لمنهج أو نظرية البنيوية التكوينية التي ربطت أيضا بين الواقع والفكر…أي بين بنية النص الداخلية وشكله الخارجي.. بالبنيوية التكوينية جاءت في الحقيقة تصحيحا للنظرية البنيوية التي فصلت المضمون عن الشكل واعتمدت على اللغة فقط في دراسة النص.
س5- وصفتم الدراسات الأسلوبية بأنها عملية وشمولية من المناهج الأخرى لكنكم حذرتم من أنها قد تقع في فخ الشكلانية…
متى ينجح التحليل الأسلوبي في النفاذ إلى روح النص.. ومتى يتحول إلى مجرد إحصاء لغوي جاف يفصل الشكل عن المضمون؟
ج5– إن ما يتعمق في المنهج الأسلوبي. يجد أن هذا المنهج يعتمد كليا على عالم اللغة.. من حيث كونها وسيلة غير عادية في قدرتها على التعامل مع المتلقي ولكن تعاملها للأسف يأتي من حيث الشكل فحسب.
فهي هنا لا تتعامل مع المعاني والدلالات التي تشتغل على بنية النص.. هي تشتغل على الحرف والكلمة والجملة والعبارة والتكرار. والرمز والانحراف وغير ذلك وهذا في الحقيقة يبعد الناقد بشكل أساس عن جوهر النص ويجعله يحسب كم تكرر الحرف الواحد أو الكلمة أو الجملة في النص..ثم كيف ظهر الانحراف أو الانزياح في اللفظ ..كم عدد الحروف اللينة والقاسية في النص . إلى آخره.
برأي ستظل المدرسة الأسلوبية تعتمد على الشكل وهذا ما يبعد المتلقي عنها ..لذلك يظل الناقد يعيش عالم الشكل فقط وهنا تتحقق غربته عن جوهر النص أولا وعن المتلقي ثانيا.
س6- هل تعتبر الأسلوبية برأيكم الوريث الشرعي للبلاغة العربية القديمة؟
ج6- ليس بالضرورة أن تكون امتدادا لها على الرغم من وجود قواسم مشتركة بينهما إلا أن لكل منهما تاريخه الخاص به.. الأسلوبية العربية القديمة التي اشتغل عليها عبد القادر الجرجاني هي منهج في النقد وحيد برأي ظل قائما حتى تاريخنا الحديث وما طرحه دي سوسير هو نتاج واقع أوروبي ظهرت فيه قبل الأسلوبية الرومانسية والكلاسيكية ومع ذلك ظلت هناك قواسم مشتركة بين ما طرحه الجرجاني على سبيل المثال وما طرحه دي سوسير على سبيل المثال.
يقول عبد القاهر الجرجاني- (إعلم أن الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها ويبين مراتبها ويكشف عن صورها ويجني صنوف ثمرها ويدل على سرائرها ويبرز مكنون ضمائرهم).
لذلك اللغة عنده. ليست نحو وصرف وبلاغة فحسب. وإنما قام بدراسة الصورة الفنية وجماليتها والتراكيب اللغوية وجماليتها وبحث. عن القيمة المرتبطة باحتمالات بناء الجملة وتوزع الأدوار بين أجزائها في نقل المواقف والإيحاءات ..الخ.
وهذا الفهم العميق للغة عند الجرجاني نجده عند دي سوسير ..
س7- لقد ركزتم في كتاباتكم النقدية على الانزياح والتكرار.. كيف يتحول التكرار من مجرد محسن بديعي لفظي إلى أداة تكشف عن القلق النفسي والرؤية الفكرية العميقة لدى الأديب؟
ج7- نعم إن التكرار ليس لعبة لغوية جمالية يوظفها الأديب لإدهاش المتلقي عبر جمالية توظيف التكرار في الحرف أو الكلمة أو الجملة.
إن التكرار يأخذ أبعادا فكرية ونفسية وقيمية عند الكاتب أو الأديب وخاصة في الشعر.
الأديب يريد من التكرار تأكيد فكرة ما يريد إيصالها للمتلقي أو لفت انتباهه عليها لأهميتها عن الكتاب ..هذه الفكرة التي شغلت تفكيره وشكلت لديه قلقا نفسيا كما قلت.. إن التكرار هنا هو عملية إيحاء أيضا وإشارة في الوقت نفسه.
س8- كيف يمكن للمنهج الأسلوبي. استخدام المستويات الصوتية والنحوية للوصول إلى السياق الاجتماعي والأيديولوجي الذي يتحدث عنه النص؟
ج8- ليس كل المتلقين على مستوى واحد في فهم ما يرسل إليه في النص ..فالقارئ العادي يهمه الفكرة وقد يشده الأسلوب الجميل في استخدام الكلمة بما ترسمه من جمل وتراكيب.. بينما المتلقي المثقف يهمه الشكل أيضا الذي يظهر في المنهج الأسلوبي وربما تشده حلاوة الأسلوب والطرح إلى تبني مضمون النص الذي يريد الكاتب إيصاله للمتلقي وهنا يحضر التأثير المجتمعي وحتى الأيديولوجي على المتلقي
لاحظ كم كان رائعا في تأثير أسلوبه على المتلقي محمد عبد الحليم عبد الله في قصة لقيطة.. أو أسلوب المنفلوط في رواية ماجدولين وهكذا…
س9- كيف يمكن للمبدع مراعاة ثقافة المتلقي دون السقوط في التثبيط وخلل أدبية النص وجماليته؟
ج9- أن عملية خلق التوازن هذه ترتبط كثيرا بتجربة الكاتب ودرجة ثقافته وجمالية أسلوبه التي تظهر في لغته وقدرته على توظيفها كلغة بسيطة وواضحة لنأخذ نزار قباني في استخدامه لهذا النوع من اللغة التي وصلت إلى الغنائية وبالتالي إلى مساحة واسعة وكبيرة من المتلقين.
أشرتم في قراءتكم لكتاب قضايا التنوير إلى أن التنوير العربي ظل فكرا تغريبيا وعجز عن التحول إلى قوة مادية لها حضورها في الواقع العربي كما هو الحال في أوروبا.. ما العوامل البنيوية التي حالت دون تفاعل التنوير العربي مع واقعه الاجتماعي؟
برأي التنوير ليس حالة طارئة ظهرت في الفكر الأوربي أو الواقع الأوربي فقط.
التنوير كما أراه هو كل تفكير عقلاني يتعامل مع قضايا الواقع بعيدا عن الغيبية والأسطورة.. فملحمة جلجاميش في بنيتها الفكرية (البحث عن الخلود بعيدا عن الاستسلام للواقع( هو فعل تنويري…ومقولة هيراقليطس: كما أننا لا نستطيع أن نسبح في مياه النهر مرتين في الوقت نفسه فهي مقولة عقلانية..
وبالتالي أي تفكير وتحليل واستنتاج واستقراء وبرهان يقوم على العقل فهو فعل تنويري.
تاريخنا العربي القديم والوسيط والحديث والمعاصر لا يخلو من تفكير عقلاني.. الجابري العروي حامد أبو زيد الطيب تيزيني. طه حسين فرج فودة وسابقا ابن رشد وابن خلدون والفارابي.. وغيرهم كلهم ساهموا في زرع بذور التنوير ولكن ما عرقل نمو هذه البذور هي الأنظمة الاستبدادية الحاكمة ومشايخ السلطان الذين حاربوا العقل و اتكؤوا على النقل واعتبروا كل جديد بدعة.
س10- تناولتم في مؤلفكم إشكالية النهضة من التوابل إلى النفط. أثر التحولات الاقتصادية على الفكر.
كيف أثر الاقتصاد الريعي النفطي على تعطيل المشرع النهضوي وتغليب الثقافة الامتثالية الاستسلامية السلفية؟
ج10- إن الاقتصاد الريعي في جوهره اقتصاد تجاري يقوم على استخراج السلعة من باطن الأرض أو من سطحها وبيعه ثم استهلاك ثمنها ..
هذا النمط من الاقتصاد لا يخلق حراكا اجتماعيا في عملية الإنتاج بل يحافظ على وجود العلاقات الاجتماعية القائمة وبناها الفكرية.. وهنا يحدث جمود هذه العلاقات وتكلسها.. وبالتالي نجد في علاقاتنا الانتاجية استمرارا لاستخدام المحراث القديم في المزرعة وكذلك معظم أدواته القديمة التي استخدمت منذ ما قبل الميلاد.
وكذلك البنية الفكرية فنحن لم نزل نستخدم الخرزة الزرقاء وبصمة كف الدم في تعويذاتنا مثلا.. ومع دخول الإسلام وتأثرنا بالحضارات الفاسية والهندية واليونانية جاءت الأنظمة المستبدة لتحارب العقل وتعتمد على النقل… إن ركود علاقات الانتاج سيؤدي بالضرورة إلى ركود الوعي أو الفكر أيضا.
س11- كيف يستطيع المثقف التنويري اليوم مواجهة هذا الموروث النقلي الكثيف وإعادة الاعتبار للعقلانية؟
ج11- إن مشكلة المثقف التنويري اليوم مركبة في الحقيقة.. فهو يواجه من جهة السلطات الحاكمة المستبدة التي تسعى للحفاظ على وجودها وتحقيق مصالحها.
وهي تجد في المثقف التنويري عدوا لها لأنه يعريها ويبين سلبياتها.. مثلما يواجه تخلف المجتمع الذي جهل ولم يزل يجهل من قبل هذه السلطات الحكمة ومطبليها من المثقفين الانتهازيين ومشايخ السلطان ..لذلك غالبا ما ينظر المجتمع ألى المثقف التنويري بأنه كافر وزنديق وضد الدين ..وهذا ما يساهم في إقصاء هذا المثقف وهجرته أو سجنه ومنع كتبه من التداول.. وبالتالي لكي لايخسر المثقف التنويري نفسه وحضوره يتحول إلى مثقف رسولي يبشر بالقيم الإنسانية العامة دون تحديد أعدائها في وطنه خاصة.
س12- إن العلمانية هي الحل في الدولة التعددية في مكوناتها.. لماذا يصر بعضهم على حصر العلمانية في معاداة الدين وكيف تضمن العلمانية المدنية المواطنة والحرية الروحية للجميع؟
ج12- إن مشكلة العلمانية في جهل مضمونها من جهة وفي موقف الكثير من القوى الدينية السلفية لها على اعتبارها فكرا مستمدا من الغرب (دار الكفر) من جهة ثانية.
إن العلمانية في جوهرها هي فكر تنويري يسعى لبناء الدولة المدنية.. أي دولة الدستور والمواطنة والتشاركية واحترام الرأي الآخر واحترام المرأة وغير ذلك. أما موقفها من الدين فهي ليست ضد الدين هي مع الموقف الديني التنويري الذي يحترم العقل وحرية الإرادة الإنسانية ..ولكنه ضد تسييس الدين واستخدامه في السياسة وخاصة في الدول والمجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والفرق والمذاهب الدينية التي تقول بالفرقة الناجية وتكفير المختلف.
من هنا جاء شعارها الدين لله والوطن للجميع.
س13- ما هي المداخل المنهجية التي يقدمها كتابكم (قضايا المنهج) لسد حالة الكسل العقلي وارتباك الثقافة العربية؟
ج13- يأتي مضمون كتابي قضايا المنهج عرض ونقد وتحليل للمناهج التي نستخدمها في دراساته الفلسفية والفكرية والأدبية. وقد قمت فعلا في دراسة أهم هذه المناهج وبينت خلطها وقصورها في معالجة قضايا الإنسان عموما وعالمنا العربي على وجه الخصوص وقد اعتبرت أن أفضل منهج يجب أن نتكئ عليه هو المنهج الواقعي النقدي الذي يربط الواقع بالفكر ويعمل دائما على إيجاد فكر ينسجم مع واقعنا ويعمل على تقدمه والنهوض به.
س14- كيف يمكن للمثقف العضوي الحفاظ على استقلالية مشروعه النقدي تحت ظل هذه الظروف المعقدة؟
ج14- بينت في إجابتي. السابقة كيف يحاصر المثقف التنويري ومنه المثقف العضوي بالضرورة من قبل السلطات الحاكمة المستبدة. ومشايخ السلطان ومن الشعب الجاهل نفسه. لذلك يضطر للحفاظ على مشروعه من خلال تحوله إلى مثقف تبشيري أو مثقف رسولي يوجه فكره للإنسان عموما ويحاول الابتعاد عن مواجهة من يناصبه العداء فالعين لا تقاوم المخرز ولكن تستطيع الرؤية بطرق أخرى.
س15- طرحتم مفهوم الانزياح الثقافي وتجليات الثقافة البذيئة في ظل الدولة الشمولية وما بعد الحداثة.
كيف أدى توظيف العقل الأداتي وشهوة الربح المادي إلى تحويل القيم الثقافية العالية إلى مجرد موارد مالية واستعراضات هامشية؟
ج15- إن مسألة الانزياح الثقافي عندي هي اغتراب الثقافة العقلانية عن دورها في تنمية عقل الإنسان وظروف حياته.
وهذا الانزياح أو الاغتراب نجده في عالم الدولة الشمولية التي تحارب العقل وكل من يقف أمام مصالحها.. لذلك هي تعمل على إقصاء المثقف التنويري العقلاني وإحلال مثقف السلطة الذي يقدم خدماته في تغييب الحقيقة وتجهيل الناس مقابل مصالح مادية ومعنوية معا.
كما نجد حالة الانزياح هذه في النظام العالمي الجديد ومشروع ما بعد الحداثة أو مشروع ما بعد الإنسان حيث وظف قادة النظام العالمي الجديد أنساقاً ثقافية تهدف إلى تجهيل الإنسان وتحريره وإدخال عالم موت القيم ..كموت الدين والفن والفلسفة وجعل الإنسان يعيش عالمه بغريزته وحيواناته كي لا يفكر في تحدي القوى التي تستغله ..
وهذا ما يجري اليوم عبر وسائل الإعلام ونشر ثقافة الاستهلاك وتسخير الدين نفسه لمباركة هذا التوجه الثقافي. والأهم من كل ذلك تحول العقل من عقل يعمل على تطوير الإنسان وتنميته إلى عقل لا يشتغل إلا على إدارة الآلة والحاسوب وكل الوسائل التي تحقق الربح للمالك.
س16- تشخصون أزمة الهوية بأنها اضطراب يفقد المجتمع توازنه ويستدعي تفكيك البنى السياسية والثقافية وإعادة تركيبها.
كيف تساهم سياسات التجهيل التاريخي في تغييب الحامل الاجتماعي وما الخطوات العملية لتجذير المواطنة؟
ج16- إن ظروف التخلف بشكل عام تفرز أنظمة شمولية مرجعياتها التقليدية من عشيرة وقبيلة وطائفة وعسكر دولا لا يهمها مصالح مكونات شعوبها لذي كل مرجعية تصل إلى السلطة تعمل على إقصاء بقية المكونات الأخرى.. وهذا ما يساهم في إضعاف الانتماء عند بقية المكونات ويجعلها تلجأ للقوى الخارجية لتحقيق ذاتها والدفاع عن نفسها.
هنا تضعف المواطنة وتتلاشى وقد تلجأ الأطراف المختلفة إلى استخدام السلاح.. وهذا يؤدي إلى حروب أهلية..
الحل لتجاوز الأزمة هو الدولة المدنية وهذه لا تأتي مجانا بل هي بحاجة لمشروع توعوي في تبيان أهمية المواطنة ودور القوى التي تشتغل ضدها والأهم وجود قوى اجتماعية سياسية تؤمن بالوطن والمواطن .
س17- انتقدتم في دراساتكم موقف الأحزاب السياسية القومية والتقدمية من الناحية المعرفية مشيرين إلى أن غياب المنهج الفكري وإغراقها في الارتجال.
هل ترى أن الجفاف الفكري هو السبب الرئيس في إخفاق المشاريع القومية والنهضوية العربية؟
ج17- في الحقيقة إن الأحزاب القومية والتقدمية التي أسميها بأحزاب الديمقراطية الثورية هي أحزاب حملت مشاريع فكرية تقدمية، خذ مثلا الناصرية لديها الميثاق وفلسفة الثورة وحزب البعث لديه المنطلقات النظرية.. ولكن مشكلة المأزق الفكري هو التصالح الطبقي الذي يشغل هذا المشروع فغياب الحامل الاجتماعي الواعي لذاته والمصالح لعبة تغيب هنا.. الأمر الذي نجد فيه صراعات طبقية داخل هذه الأحزاب في الاتحاد الاشتراكي فيه خالد محيى الدين اليساري وفيه السادات الإخواني وفيه عبد الناصر المعتدل.. وكذا حزب البعث فيه تيار ميشيل عفلق الاشتراكي الفابي وفيه صلاح جديد الاشتراكي الماركسي. وفيه حافظ الأسد المعتدل لذلك ظل الصراع والتصفيات تدور بين هذه القوى الحزبية الأمر الذي جعلها تضع مشاريعها على الرف وكل منها يشتغل على مشروعه وتصفية من يخالفه.. وكل ذلك أدى إلى تحول هذه الأحزاب إلى مشاريع يقودها العسكر المشبعين بالروح الطائفة والعشيرة والقبيلة..
س18- كل هذا أنهى تلك الأحزاب ومشاريعها النهضوية على يد الربيع العربي الذي تحول بدوره إلى خريف تقوده قوى أصولية سلفية.
بصفتكم عضوا في اتحاد الكتاب العرب ..كيف تقيّمون دور الاتحادات والأجهزة الثقافية في دعم البحث العلمي.. والتقدمي.. بعيدا عن الأنشطة البروتوكولية والاحتفالية؟
ج18- برأيي ومن خلال وجودي في اتحاد كتاب سوريا لسنوات طويلة وجدت أن اتحاد الكتاب يخضع في سياسته العامة لسياسة الدولة وأن السلطة الحاكمة هي من يختار قياداته ويجب على هذه القيادات أن تخدم المشروع الثقافي التي تريده السلطة لذلك كل معارض للسلطة يقصى عن الاتحاد ويحارب فكره.. وهذا موجود عند بقية الدول العربية.
س19- كيف استطعتم توظيف المنهج الواقعي للكشف عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية للواقع العربي المتخلف بعيدا عن القراءات الأسطورية الشائعة؟
ج19- إن ما يميز المنهج الواقعي النقدي هو تقسيمة أي مجتمع إلى بنائين تحتي ويشمل قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج أو ما يسمى الوجود الاجتماعي بكل مستوياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. أما البناء الفوقي ويشمل الجانب الفكري ممثلا بالفكر والفلسفة والأخلاق والقانون والأدب والفن وغير ذلك.
وهذا المنهج يقول بأن كل بناء يؤثر في الآخر بطريقة جدلية وعليه يستطيع الباحث هنا أن يدرس هذه العلاقة بطريقة إيجابية عقلانية تبعده عن التفكير المثالي الذاتي والحدسي الأسطوري والخرافي.
وهذا في الحقيقة هو المنهج الذي اشتغلت عليه بكل دراساتي وكتبي وبحوثي.
س20- كيف ينقد الناقد التنويري إلى تفكيكية ديدرا.. وما هي الحدود التي تمنع التفكيك من التحول إلى عبثية تلغي المعنى الحقيقي للنص بالكامل؟
ج20- إن أخطر توجهات التفكيكية هو إقصائها الكاتب وظرف كتابة النص والاتكاء على مسألتين أساسيتين في النص هما: اللغة والمتلقي.
اللغة إذًا لم تشتغل على قضايا الإنسان وعرض مشاكله وحلها تتحول في استعمالاتها إلى ترف فكري يدخل في نسق الفن للفن.
والمتلقي وحده يدخل النص في دلالات مفتوحة على المطلق ..فالمتلقي ليس على درجة واحدة من الفهم والمعرفة أو الثقافة وبالتي هنا تضيع الدلالة الحقيقية التي يرمي الكاتب إليها وضياعا تغيب الفائدة المرجوة منها..
س21- إن التفكيكية تدخل في مفاهيم ما بعد الحداثة وأهمها موت جوهر النص والمؤلف معا.
في قراءتكم التناص التاريخي في الأعمال الروائية التي تعالج الصراع على السلطة في التاريخ العربي.
كيف يسهل التحليل النقدي للنص الأدبي إعادة قراءة التاريخ وتعرية شهوة السلطة التي تتكئ على المظاهر الدينية؟
ج21- غالبا ما نجد النصوص الروائية التاريخية التي يشتغل عليها الأدباء والمؤرخون لديها حمولة إيديولوجية ..فالتاريخ في المحصلة كتبته أقلام السلطة… فتاريخ ابن الأثير السني غير تاريخ المسعودي الذي يميل إلى شيعة علي وهذه الانقسامات نجدها في الأدب كذلك رواية كانت أو شعرا ..الخ.
إن المنهج النقدي العقلاني هو المنهج الذي لا يتعامل مع النص من موقف أيديولوجي بل من موقف حيادي يعتمد على دراسة الظروف التاريخية و تناقضاتها وصراعاتها التي أحاطت بالنص ومن خلالها يستطيع الوصول إلى العوامل الحقيقية التي أنتجت هذا النص ودور الكاتب في توضيحه للمتلقي.
س22- كيف يوفق الدكتور عدنان عويد في ممارسته اليومية بين صرامة الباحث الأكاديمي في العلوم السياسية وبين الحس الجمالي للناقد الأدبي؟
ج22- المعرفة أنساق عديدة فلسفية واقتصادية واجتماعية وأدبية وغير ذلك. فالكاتب أو الأديب يجب أن يكون مثقفا شموليا إلى حد كبير ..لذلك المعارف تكتسب والنقد الأدبي نسق معرفي تطلب مني جهدا كبير للحصول عليه .. قرأت كثيرا في النقد الأدبي ومدارسه وتذوقت الكثير من الأعمال الأدبية وأجريت عليها دراسات نقدية غذت الحس الجمالي لدي.