جاري التحميل...

تزوّجت فلسطينية… فأصبحت تونسيًا في الصباح وفلسطينيًا عند الغداء!

تدوينة: محمد علي حرشاني

حين قررت الزواج من فلسطينية، كنت أظنّ أنني سأعيش قصة حب جميلة، وأتعرّف عن قرب إلى ثقافة جديدة، وربما أتعلم بعض الكلمات من اللهجة الفلسطينية. كنت أعتقد أن الموضوع بسيط: أنا تونسي وهي فلسطينية، نتبادل العادات، ونحترم الاختلافات، ونعيش في سعادة وهناء.
يا أخي، لو كنت أعلم أن الأمر سيصل إلى حدّ ذوبان الحدود بين تونس وفلسطين داخل رأسي، لكنت طلبت استشارة قانونية قبل الزواج، وربما سألت محاميًا عن إمكانية امتلاك جنسيتين وثلاث لهجات في قلب واحد! في البداية… كنت تونسيًا حتى النخاع!
كنت تونسيًا أصيلًا، من النوع الذي لا يستطيع أن يبدأ يومه من دون قهوة (إسبريسو)، ولا يرى في الحياة مشكلة لا يمكن حلّها بجلسة قهوة ونقاش طويل. وإذا دخلنا في موضوع الأكل، فالدولة التونسية كلها تحضر في شخصي!
الكسكسي عندي ليس مجرد طبق، بل قضية سيادة وطنية. والهريسة ليست صلصة فلفل فقط، بل مكوّن أساسي من مكوّنات الشخصية التونسية. أما البريك يشبه السمبوسك مع بعض الإختلافات، وله مكانة لا يمكن المساس بها، ولا يجوز الحديث عنه بنبرة عادية، وكأننا نتحدث عن طبق معقد ومختلف!
كنت أتكلم تونسيًا، وأفكر تونسيًا، وأغضب تونسيًا، وحتى عندما أقول «ما فما حتى مشكل»، يكون عندي في داخلي سبعة مشاكل، وثلاثة حلول، واجتماع طارئ مع نفسي!
ثم جاءت الزوجة الفلسطينية، وبدأت السيادة التونسية تتعرض لاختراق ثقافي ناعم، من دون سابق إنذار ولا حتى تصريح جمركي!
ثم دخلت فلسطين إلى البيت… ولم تخرج أبدًا!
في البداية، تعلمت بعض الكلمات الفلسطينية. قلت لنفسي: «عادي، شوية مفردات، ونكون رجلًا متطورًا ومتعدد الثقافات».
لكنني لم أنتبه إلى أن كلمة «شوية» عند الفلسطينيين والتونسيين قد تحمل معاني مختلفة تمامًا!
فجأة، أصبحت كلمة «شو» تظهر في كلامي أكثر من كلمة «شنوّة»، وبدأت أقول «هلأ» بدل «توا»، و«بدي» بدل «نحب»، و«منيح» بدل «باهي».
وفي يوم من الأيام، وجدت نفسي أقول بكل عفوية: «هلأ نمشي نجيب حاجة، وبعدها نرجع».
توقفت لحظة، ونظرت إلى نفسي في المرآة.
قلت: «يا ولدي، إنت وين ماشي؟ وإنت أصلًا منين؟!».
أما زوجتي، فنظرت إليّ بابتسامة المنتصر الذي لم يحتج إلى معركة كي يفرض لغته. لقد اكتفت بمشاركتي الحياة، وتركت الزمن يقوم بالبقية!
معركة الكسكسي والمقلوبة… أزمة دبلوماسية على مائدة الطعام!
إذا أردت أن تعرف كيف يمكن للزواج أن يتحول إلى قمة عربية مصغّرة، فما عليك إلا أن تضع تونسيًا وفلسطينية أمام مائدة الطعام.
أنا أرى الكسكسي وأشعر أنني في حضن الوطن. وهي ترى المقلوبة وتتعامل معها باعتبارها حدثًا يستحق الاحتفال والتوثيق والتصوير قبل الأكل!
أقول لها: «اليوم نعملوا كسكسي تونسي على أصوله».
فتقول: «طيب، بس بكرا بدنا مقلوبة».
أجيبها: «باهي، أما اليوم الكسكسي هو الرئيس».
فتردّ بكل هدوء: «ولا يهمك، بكرا الرئيس رح ينقلب».
وهنا أفهم أن المقلوبة ليست مجرد أكلة فلسطينية، بل نظام سياسي قادر على تغيير موازين القوى داخل المطبخ!
أما الزيت والزيتون والزعتر، فقد دخلت حياتي بقوة، حتى أصبحت أشعر أن شجرة الزيتون نفسها تحمل جواز سفر تونسيًا وفلسطينيًا في الوقت ذاته.
وصرت أكتشف أن زيت الزيتون ليس مجرد مادة غذائية، بل موضوع يصلح لفتح حوار ثقافي طويل، ينتهي غالبًا بأن أقول: «والله يا جماعة، الزيت زيتون، والمحبة محبة، خلّونا ناكلوا قبل ما يبرد الأكل!».
اللهجة الجديدة: تونسي في أول الجملة وفلسطيني في آخرها!
المشكلة الحقيقية ليست في الطعام، بل في اللغة.
تخيل أنني أتحدث مع صديق تونسي، فأقول له:
«شنوّة يا خويا، كيفاشك؟ والله اليوم تعبت برشة، وبدي أروح أرتاح شوي!».
ينظر إليّ وكأنني خرجت للتو من اجتماع سري بين جامع الزيتونة ومدينة القدس.
وإذا تحدثت مع فلسطيني، أبدأ بثقة:
«يعطيك العافية يا زلمة، شو الأخبار؟ لاباس؟ إن شاء الله أمورك باهية؟».
فيتوقف عند كلمة «باهية»، ويسألني: «إنت من وين بالضبط؟».
أجيبه: «من تونس».
فيقول: «طيب، ليش بتحكي هيك؟».
فأردّ عليه: «والله يا أخوي، حتى أنا مش فاهم شو صار معي!».
أصبحت لغتي مثل رحلة طيران مباشرة بين تونس وفلسطين، لكن من دون توقف، ومن دون أن أعرف في أي مطار سأهبط في نهاية الجملة!
والأخطر من ذلك أنني لم أعد أستطيع الغضب بلهجة واحدة. أبدأ الخلاف تونسيًا، وأكمله فلسطينيًا، ثم أختمه بجملة مصالحة تجمع الشعبين:
«يا جماعة، خلص، ما فماش داعي لكل هالحكي، يلا نتصالحوا!».
فلسطين لم تعد خبرًا أتابعه… بل صارت جزءًا مني
لكن وسط كل هذا الضحك، هناك شيء أعمق تغيّر في داخلي.
قبل الزواج، كانت فلسطين بالنسبة إليّ وطنًا عربيًا عزيزًا، له مكانته في القلب والوجدان. وبعد الزواج، أصبحت فلسطين أيضًا حكايات تُروى في البيت، وذكريات تُستعاد، وأسماء مدن أعرفها من تفاصيل الحياة اليومية، وأفراح صغيرة أفهم معناها أكثر، وأوجاع أشعر بثقلها لأن إنسانة أحبها تحملها في قلبها.
أصبحت القدس ليست مجرد اسم أسمعه في الأخبار، وغزة ليست مجرد عنوان، ويافا وحيفا وعكا ليست مجرد أسماء على الخريطة. صارت فلسطين عائلة وذاكرة وهوية، وصار حبها يأتيني أحيانًا من صوت زوجتي، ومن حنينها، ومن طريقتها في الحديث عن وطنها.
وفي المقابل، لم أتخلَّ عن تونس، ولم تصبح هويتي التونسية أقل حضورًا. بل وجدت نفسي أكتشف أنني أستطيع أن أحب بلدي بكل تفاصيله، وأن أفتح قلبي لوطن آخر من دون أن أشعر أنني أخون الأول.
وهكذا أصبحت أحمل في قلبي قرطاج والقدس، وسيدي بوسعيد ويافا، وريحة الهريسة وريحة الزعتر، وصوت المالوف التونسي ونبض الدبكة الفلسطينية والأهازيج…
وإذا اشتقت إلى تونس، وجدت في داخلي حنينًا إلى الوطن. وإذا سمعت أغنية فلسطينية، وجدت في قلبي مساحة أخرى من الحنين لم أكن أعرف أنها موجودة أصلًا.
وفي النهاية… من أنا؟ تونسي أم فلسطيني؟
في أحد الأيام، سألني أحدهم: «إنت تونسي ولا فلسطيني؟».
كنت على وشك الإجابة، لكنني توقفت لأراجع وضعي اللغوي والغذائي والعاطفي.
إذا أكلت كسكسي، فأنا تونسي.
إذا طلبت مقلوبة، فأنا فلسطيني.
إذا قلت «توا»، فهناك أمل في استعادة الهوية التونسية.
إذا قلت «هلأ»، فالوضع يستدعي اجتماعًا عائليًا عاجلًا.
إذا شجعت تونس في مباراة، فأنا تونسي حتى النخاع.
وإذا شجعت فلسطين، فأنا فلسطيني بكل ما في القلب من حب ووفاء.
أما إذا اجتمعت تونس وفلسطين في مباراة واحدة، فهنا تبدأ الأزمة الحقيقية: قلبي يريد أن يفرح للجميع، وأعصابي تريد أن تنسحب من الملعب، وعقلي يطالبني بالعودة إلى المنزل قبل انطلاق المباراة!
وإذا سألتني زوجتي: «حبيبي، إنت فلسطيني ولا تونسي؟»، فسأجيبها بكل رومانسية:
«أنا تونسي الأصل، فلسطيني الإحساس، مغاربي المزاج، شرقي القلب، وراجل ضايع بين الكسكسي والمقلوبة!».
ثم أضيف بسرعة، حتى لا أفتح نقاشًا جديدًا:
«أما في حاجة واحدة متأكد منها: أنا زوجك، وهذي الجنسية الوحيدة اللي ما عنديش فيها أي خلاف!».
الخلاصة: تزوجت فلسطينية، فدخلت فلسطين إلى بيتي، ودخلت اللهجة الفلسطينية إلى لساني، ودخل الزعتر إلى مطبخي، وأصبحت تونس وفلسطين تتقاسمان قلبي بالتساوي… أما عقلي، فما زال يحاول فهم كيفاش وليت نحكي «شنوّة يا زلمة، شو الأخبار، لاباس؟» في جملة واحدة!
وفي النهاية، اكتشفت أنني لم أفقد هويتي، بل أصبحت أملك مساحة أكبر للحب؛ جذوري تونسية، وفي قلبي فلسطين، وبينهما زوجة جعلتني أكتشف أن الأوطان قد تختلف في اللهجة والطعام، لكنها تلتقي في الكرامة والدفء والذاكرة والانتماء.
عاشت تونس، وعاشت فلسطين، وعاش الحب الذي جعل التونسي يقول «بدي» والفلسطينية تقول «باهي»… وربنا يستر من الجيل القادم، الذي قد يقول لأستاذ اللغة العربية: «شنوّة بدك منّي هلأ؟»