جاري التحميل...

انتفاضة “حزب الشعب الصراصيري” – جيل زد الهندي: من السخرية الرقمية إلى قوة الضغط الميداني

محمد مشارقة.
لم يكن تحول النكتة الرقمية إلى انتزاع تنازل سياسي ملموس مجرد صدفة؛ فقد أثبتت حالة “حزب الشعب الصراصيري” (Cockroach Janta Party) القدرة المبدعة على تحويل الغضب الشبابي المحبط من مجرد “سخرية افتراضية” إلى قوة ضغط عابرة للولايات ومربكة للسلطة. بدأت القصة كاستجابة ساخرة لتصريح قضائي مهين وصف الشباب العاطلين عن العمل والمطالبين بحقوقهم بـ “الصراصير وطفيليات المجتمع”، لكن هذا الغضب سرعان ما التقى بـ ثلاث طبقات بنيوية متراكمة:
– كتلة ديمغرافية واقتصادية هائلة: أكثر من 370 مليون شاب يعانون من أزمات البطالة ونقص التشغيل.
– فساد مؤسسي متكرر: تجسد في تسريب امتحانات القبول الجامعي لكليات الطب (NEET-UG) القومية وتهميش الملايين.
– انغلاق المجال العام: واحتكار الفضاء السياسي والإعلامي من قبل الأحزاب التقليدية ورأس المال.
استطاع هؤلاء الشباب تحويل الوصمة المهينة إلى رمز للصلابة والقدرة على البقاء تحت شعارهم الساخر “الصراصير لا تموت”. وانتقل حراكهم من ملايين المتابعين على المنصات الرقمية (مثل وصول حسابهم البديل إلى 23 مليون متابع على إنستغرام) إلى اعتصامات ميدانية أطاحت بوزير التعليم، وحركت ملفات مراجعة قوائم الناخبين بعد شطب نحو 130 مليون ناخب.
تجربة ملهمة دون شك خاصة وأنها في بداياتها وتتحول تدريجيا من حالة عفوية الى منظمة تلهث خلفها أحزاب المعارضة الكبرى. ظاهرة “حزب الصراصير” في الهند، أو تجربة زهران ممداني في نيويورك أو حركة بيتر ماغيار في المجر، ليست مجرد حكايات طريفة نضحك عليها في خوارزميات منصاتنا، بل هي دليل عملي يوضح لنا كيف يمكن لجيل الشباب أن يقلب الطاولة عندما يستوعب أدوات العصر ويثبت وجوده على الأرض.
ولكي لا يذهب الغضب أو محاولات التعبير عن الإحباط أدراج الرياح، ثمة دروس لجيل الشباب العربي وانوية حركاته مثل جيل زد المغربي والفلسطيني: أولاً ، أن يتجاوزوا زمن الشعارات الفضفاضة والأيديولوجيات الكبرى التي أرهقت مجتمعاتنا العقود الماضية دون نتيجة؛ فالقوة الحقيقية والتأثيرية كجيل تنبع من الانطلاق المباشر من حاجات الناس اليومية وهمومهم المعيشية الملموسة: من انتزاع العدالة في فرص العمل ، وحماية الأمن الغذائي والخدمي للناس، والتمسك بتعليم محترم وعادل، وصولاً إلى مواجهة الفساد والمحسوبية في التوظيف والامتحانات. إن الناس تلتف وتثق بمن يلامس تفاصيل وجعها اليومي، وليس بمن يغرقها في تنظيرات وسياسات معزولة عن الواقع.
وكشباب يشكل أكثر من نصف سكان مجتمعاتنا العربية، على النشطاء والفاعلين ادراك أن “اللايكات” والتريندات المتصاعدة على منصات التواصل هي مجرد شرارات تعبئة أولى تصنع الانتباه، لكنها تنطفئ سريعاً ما لم ينظم الحراك جماعيا والانتظام في شبكات وأطر قاعدية حقيقية تُترجم هذه الهموم اليومية. وعندما تحاول الأصوات القديمة والكيانات التقليدية التقليل من شأن حراكات الشباب أو وصم هذا الجيل بالسطحية والتفاهة، لا ينبغي لكم الاستسلام للإحباط؛ بل عليكم التضامن لاستخدام ذات الأسلوب الساخر والوسوم المبتكرة لتجعلوا منها هوية جامعة تكسر هيبة عواجيز السياسة وتفضح عجز خطاباتهم الخشبية المستهلكة.
وفي مسارنا هذا، يجب أن نكون على وعي تام بأساليب الاحتواء التي تجيدها القوى القائمة حين تسعى لتجيير الحماس الشبابي لصالح معاركها القديمة ثم استبعادهم عند أول منعطف. هذا يتطلب الحفاظ دائماً على استقلالية التيارات الشبابية الجديدة وعدم الارتهان لأي جهة تحاول إعادة التدجين في القوالب الميتة، بالتوازي مع تأمين المساحات الرقمية وإنشاء قنوات اتصال بديلة وآمنة لضمان استمرار التنسيق والدفاع عن الحقوق المشروعة تحت أي ظرف.
• المقال من وحي ورقة سياسات للكاتب ستصدر عن مركز تقدم للسياسات في لندن