جاري التحميل...

نحو سيكولوجيا عربية: استرداد الذات من اغتراب المعرفة

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

حين تستعير الذات مرآتها من الآخر

لا تولد المعرفة في فراغ، ولا تتشكّل العلوم بمعزل عن التاريخ والثقافة اللذين يمنحانها أسئلتها ومفاهيمها. والسيكولوجيا، بوصفها علمًا يدرس الإنسان في أبعاده النفسية والاجتماعية، لا يمكنها أن تتجاهل اللغة والذاكرة والهوية وشروط الحياة التي تسهم في تشكيل الوعي والسلوك.

من هنا تبرز إشكالية السيكولوجيا العربية في التوتر بين استيعاب المنجز العلمي الحديث والقدرة على إنتاج معرفة تنطلق من واقع الإنسان العربي، من دون الانغلاق على الذات أو الارتهان إلى قوالب مستوردة. فهل استطاعت السيكولوجيا العربية بناء خطاب يقرأ الإنسان في سياقه التاريخي والحضاري، أم أنها ما تزال تستعير أدوات تفسيره من بيئات ثقافية مغايرة، من دون إخضاعها بما يكفي للنقد والاختبار؟

إن المسألة لا تتعلق برفض المعرفة الغربية، بل بمساءلة شروط إنتاجها وحدود تعميمها، والتمييز بين عالمية المنهج وخصوصية الظاهرة. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى مساءلة العلاقة بين التاريخ والهوية في تشكيل الوعي النفسي العربي، استنادًا إلى إسهامات عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، ومصطفى حجازي، وعلي زيعور، وإدوارد سعيد، وميشيل فوكو.

أولًا: التاريخ الغائب وإشكالية التأسيس

لم تتبلور السيكولوجيا العربية، منذ توسع حضورها الجامعي في منتصف القرن العشرين، ضمن مشروع نقدي متكامل يوازي بين استيعاب النظريات العالمية ودراسة شروط انطباقها على الواقع المحلي. فقد غلب على جانب من ممارساتها نقل المفاهيم والمناهج، من دون مساءلة كافية للسياقات التي نشأت فيها، أو بحث منهجي في مدى ملاءمتها للخبرة النفسية العربية.

لقد نشأت المدارس السيكولوجية الحديثة في أوروبا ضمن تحولات فلسفية واجتماعية وعلمية محددة؛ من المختبرات التجريبية التي ارتبطت بفيلهلم فونت، إلى التحليل النفسي عند فرويد، والسلوكية، ومقاربات النمو المعرفي لدى بياجيه. ولم تكن هذه المدارس معارف معزولة عن بيئاتها، بل استجابات لأسئلة الإنسان وتحولات مجتمعه.

وهنا تبرز أهمية منهج ميشيل فوكو في تحليل تشكّل الخطابات المعرفية، والكشف عن الشروط التاريخية التي تمنح المفاهيم سلطتها ومشروعيتها. فغياب التأريخ النقدي للسيكولوجيا العربية لا يحرمنا من فهم تطورها فحسب، بل يضعف قدرتنا على تقييم منجزها وتحديد مواطن قصورها.

إن المطلوب ليس كتابة تاريخ احتفائي للذات، بل تأسيس تاريخ نقدي للمعرفة النفسية العربية، يدرس مؤسساتها ومدارسها ومناهجها، ويكشف علاقتها بالتحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية.

ثانيًا: اغتراب المفهوم وخصوصية التجربة

قد تبدو مفاهيم مثل اللاشعور والإدراك والدافعية والسلوك مصطلحات محايدة قابلة للنقل بين الثقافات، لكن المفهوم العلمي لا ينفصل تمامًا عن تاريخ نشأته، ولا عن الفروض التي تحدد موضوعه وطرائق تفسيره.

وقد نبّه إدوارد سعيد إلى تداخل المعرفة بتمثيلات القوة، وإلى أن وصف الآخر قد يخضع أحيانًا لمنظومات معرفية تحدد صورته وموقعه. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين ترجمة المصطلح وفهم التجربة التي يعبّر عنها؛ فقد تكون الترجمة اللغوية دقيقة، بينما تظل دلالات المفهوم بحاجة إلى اختبار في السياق الجديد.

لكن خصوصية الإنسان العربي لا تعني افتراض وجود شخصية عربية واحدة متجانسة في مقابل شخصية غربية مغايرة. فالمجتمعات العربية متعددة في ثقافاتها وطبقاتها ومرجعياتها وتجاربها التاريخية، وتتأثر الخبرة النفسية فيها بعوامل متشابكة، من الأسرة والتعليم إلى الظروف الاقتصادية والسياسية.

وعليه، فالسؤال العلمي ليس ما إذا كان الإنسان العربي مختلفًا عن الغربي اختلافًا مطلقًا، بل ما أوجه التشابه والاختلاف التي يمكن إثباتها تجريبيًا، وكيف تؤثر الثقافة واللغة والذاكرة الجماعية في تشكيل الخبرة النفسية.

إن نقل المفاهيم من دون اختبار قد يؤدي إلى تفسيرات قاصرة، لكن رفضها لمجرد منشئها الغربي لا يقل إشكالًا. فصلاحية النظرية تُقاس بقوة أدلتها، ودقة أدواتها، وقدرتها على تفسير الظواهر في السياقات التي تُطبّق عليها.

ثالثًا: الذات العربية بين القهر والهوية

تتشكل الذات العربية داخل تاريخ تتداخل فيه آثار الاستعمار والاستبداد والحروب والتهجير والتفاوت الاجتماعي والتحولات الثقافية. وقد تترك هذه الشروط آثارًا في الشعور بالأمان والانتماء والفاعلية، من دون أن تحدد مصير الأفراد أو تختزل تجاربهم في نموذج واحد.

وفي هذا السياق، تكتسب أعمال مصطفى حجازي، ولا سيما كتابه *«سيكولوجية الإنسان المقهور»*، أهمية خاصة؛ إذ تلفت إلى أثر علاقات التسلط والقهر في تشكيل الوعي والسلوك، وإلى إمكان تحول الشروط الاجتماعية غير المتكافئة إلى أنماط من العجز والتكيف.

غير أن الإفادة من هذا المنظور لا تبرر اختزال الإنسان العربي في القهر، أو تعميم العجز عليه؛ فالمجتمعات العربية أنتجت أيضًا أشكالًا من المقاومة والتضامن والإبداع، ينبغي أن تحظى بالبحث نفسه.

كما أسهم علي زيعور في فتح مجال للتفكير في العلاقة بين التحليل النفسي والذات العربية، بينما قدّم محمد عابد الجابري، في مشروعه حول نقد العقل العربي، أدوات لفهم البنى المعرفية التي تشكلت في التراث العربي الإسلامي. ويمكن الإفادة من هذه المشاريع في دراسة المرجعيات الثقافية، شرط ألا يُفترض تطابق البنية الفكرية مع السلوك النفسي من دون بحث مستقل.

فالهوية ليست صراعًا مبسطًا بين التراث والحداثة، بل عملية متحولة تتفاعل فيها الذاكرة مع الواقع، وتتفاوض فيها الذات مع مرجعياتها وشروط وجودها. والإنسان العربي ليس مجرد نتاج سلبي لتاريخه، بل ذات قادرة على تفسير واقعها ومقاومته وإعادة تشكيله.

رابعًا: من التأصيل إلى الإنتاج العلمي

لا تتحقق أصالة السيكولوجيا العربية باستدعاء التراث وحده، ولا بتعريب المصطلحات الغربية، بل بتحويل أسئلة الواقع إلى فرضيات قابلة للبحث والاختبار.

وقد قدّم ابن خلدون، في علم العمران، مثالًا مهمًا على دراسة الظواهر في سياقاتها الواقعية والبحث في أسبابها. ولا يعني ذلك اعتباره مؤسسًا لعلم النفس الحديث، بل الإفادة من منهجه النقدي في ربط الظواهر بشروطها التاريخية والاجتماعية.

ويتطلب بناء سيكولوجيا عربية أكثر رسوخًا:

– تأريخ المعرفة النفسية العربية وتوثيق تطور مدارسها ومؤسساتها ومناهجها.
– تطوير أدوات البحث واختبار صلاحية المقاييس النفسية المترجمة، وتكييفها ثقافيًا ولغويًا وفق معايير علمية.
– توسيع الدراسات الميدانية لتشمل الأسرة والهوية والهجرة والتهجير والصدمات الجماعية والتحولات الاجتماعية.
– تعزيز التكامل المعرفي بين علم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة، مع احترام خصوصية كل تخصص.
– إنتاج النظريات واختبارها بدل الاكتفاء باستعارة الأطر التفسيرية وتطبيقها على بيئات لم تُختبر فيها صلاحيتها.

ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح من خلال جهود فردية متفرقة؛ فهو يحتاج إلى مؤسسات بحثية وتمويل مستدام وقواعد بيانات موثوقة وشراكات علمية تتيح النقد المتبادل وتراكم النتائج.

فالاستقلال المعرفي لا يعني الانكفاء عن المنجز العالمي، بل المشاركة فيه من موقع الباحث القادر على المراجعة والإضافة، لا من موقع المستهلك الذي يكتفي باستنساخ النماذج.

خاتمة: استرداد الذات من اغتراب المعرفة

إن بناء سيكولوجيا عربية لا يعني إنشاء علم موازٍ للعلوم العالمية على أساس الهوية وحدها، ولا افتراض وجود نفسية عربية خالصة وثابتة، بل تأسيس مشروع نقدي يربط المعرفة بسياقها، ويختبر المفاهيم بدل التسليم بها، ويجعل الإنسان العربي شريكًا في إنتاج المعرفة المتعلقة به.

وتكمن أهمية هذا المشروع في وصل الذات بتاريخها من دون تقديس الماضي، وانفتاحها على الحداثة من دون استلاب، وفهم معاناتها ضمن شروطها الفعلية من دون اختزالها في العجز أو القهر.

فالمعرفة النفسية الرصينة لا تستمد مشروعيتها من جغرافية إنتاجها، بل من قدرتها على تفسير الظواهر، واحترام الأدلة، ومراجعة نتائجها. والثقافة ليست عائقًا أمام عالمية العلم، بل أحد المتغيرات التي ينبغي للعلم أن يدرسها.

إن الإنسان العربي لا يحتاج إلى مرآة غربية أو عربية تعيد إليه صورة جاهزة عن نفسه، بل إلى أدوات علمية تمكّنه من مساءلة صورته، وفهم تاريخه، واكتشاف آليات تشكّله، وتغيير الشروط التي تنتقص من حريته وكرامته. عندئذٍ تصبح السيكولوجيا العربية مشروعًا معرفيًا منتجًا، لا يكتفي بتشخيص أزمات الذات، بل يسهم في تفسيرها وتجاوزها، ويضيف إلى المعرفة الإنسانية من موقع المشاركة والإبداع، لا من موقع التبعية أو الانغلاق.