بن معمر الحاج عيسى
تتجدد اليوم في المشهد الأوروبي والعالمي النقاشات العميقة حول استقرار النظم الديمقراطية العريقة، وتبرز الساحة الفرنسية كواحدة من أكثر الساحات سخونة واضطراباً. ففي تاريخ 24 أكتوبر 2026، شهدت الشوارع الفرنسية، وتحديداً في مدينة مرسيليا، مظاهرات عارمة واحتجاجات شعبية واسعة النطاق رافقها انتشار أمني مكثف لقوات الشرطة. هذه الأحداث لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقاتها الزمنية والسياسية والاقتصادية؛ بل إنها تمثل تعبيراً صارخاً عن أزمة بنيوية عميقة تطال أركان “الجمهورية الخامسة” التي باتت -بحسب العديد من المراقبين والمحللين- تلفظ أنفاسها الأخيرة في ظل تصاعد الاحتقان الاجتماعي. إن تتبع جذور هذا الاحتقان يكشف عن تحول جوهري في طبيعة التظاهرات؛ فلم تعد تقتصر على المطالب المعيشية التقليدية أو الاحتجاجات المحدودة المرتبطة بغلاء المعيشة وأسعار السلع، بل تجاوزتها لتصبح تعبيراً عن انهيار نظام متكامل وتصاعُد في حالة الشلل السياسي والفراغ الدستوري المرتقب. ويُعد هذا الشلل التام واحداً من أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الإدارة الفرنسية؛ فحين تشتعل الشوارع وترتفع أصوات المحتجين، تجد السلطة التنفيذية نفسها محاصرة في أزقة ضيقة سياسياً، عاجزة عن تحقيق توافقات وطنية حقيقية، حيث تواجه الحكومات المتعاقبة صعوبة بالغة في تأمين أغلبية برلمانية مريحة ومستقرة لتسيير شؤون البلاد، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات سقوط الحكومات المتتالية وخطر الفراغ الدستوري المؤسساتي الذي قد يعطل المرافق الحيوية للدولة. إن عجز الأطر السياسية التقليدية عن استيعاب غضب الشارع يعكس أزمة تمثيل حقيقية، حيث تشعر أقطاب واسعة من الشعب بأن الطبقة السياسية منفصلة تماماً عن الواقع المعيشي اليومي، ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على أروقة البرلمان والمؤسسات الرسمية فحسب، بل تمتد لتضرب عمق النسيج الاجتماعي والمدني الفرنسي. فالشارع الفرنسي اليوم يبدو منقسماً بشكل حاد، حيث تتسع الهوة يومآ بعد يوم بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، ويشهد المشهد السياسي استقطاب الشارع وتصاعد حدة العنف الحضري وصراعاً محتدماً بين التيارات المتطرفة، سواء أكانت في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، مما ألغى مساحات الوسط والاعتدال. وإن انتشار قوات الأمن والشرطة بشكل مكثف في الشوارع والساحات العامة يعكس حالة الطوارئ غير المعلنة والتوتر المستمر في العاصمة باريس وبقية المدن الكبرى، كما أن تحول الاحتجاجات إلى صدامات واحتكاكات مستمرة ينذر بتآكل السلم الأهلي وتصاعد دوامة العنف، مما يضع الأجهزة الأمنية تحت ضغط هائل قد يفقدها القدرة على السيطرة الشاملة في حال استمرار وتيرة التصعيد. وعلى الصعيد المالي، لا يمكن فصل الاحتجاجات الشعبية عن المناخ الاقتصادي المتردي الذي تعيشه فرنسا؛ إذ تتداخل السياسات المالية مع الأزمات المعيشية لتشكل مزيجاً قابلاً للانفجار في أي لحظة. فتخلق حالة عدم اليقين السياسي والأمني بيئة طاردة للمستثمرين، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتهديد الاستقرار المالي والاقتصادي للبلاد، كما يتخوف الخبراء الاقتصاديون من تأثيرات هذه الاضطرابات على تراجع العملة الأوروبية والوصول إلى ركود اقتصادي عميق غير مسبوق منذ عقود، فضلاً عن تآكل الطبقة الوسطى نتيجة سياسات التقشف وغلاء المعيشة التي أدت إلى تراجع القدرة الشرائية وتوسيع رقعة الفقر وتأجيج الشعور بالحرمان الاجتماعي. وإلى جانب الأزمات الداخلية، تترك هذه الهزات أثراً عميقاً على التحولات الجيوسياسية وفقدان النفوذ الخارجي لمكانة فرنسا الدولية ودورها الإقليمي، حيث تفقد السياسة الفرنسية تدريجياً أوراق قوتها وتراجع النفوذ الإفريقي وفي منطقة المغرب العربي، في ظل تصاعد الخطاب الرافض للهيمنة والتبعية التاريخية. ويرى الكثير من المراقبين أن تعامل السلطات مع الاحتجاجات وتصدع منظومة الحقوق والحريات أدى إلى سقوط أسطورة نموذج حقوق الإنسان وإفراغها من مضمونها، وجعلها عرضة لانتقادات دولية واسعة، إضافة إلى انعكاسات التحالفات الدولية وانشغال القيادة الفرنسية بالحرائق الداخلية مما يضعف قدرتها على توجيه السياسة الأوروبية أو لعب دور مؤثر في الأزمات الدولية الكبرى، فيترك فراغاً استراتيجياً تسده قوى صاعدة أخرى. إن ما تجسده شوارع مرسيليا وباريس اليوم ليس سوى مرآة لحقيقة تاريخية ثابتة؛ فالدول التي شيدت أمجادها ونفوذها عبر التاريخ على حساب استنزاف ثروات الشعوب الأخرى وتهميش إرادتها، لابد أن تستوفي فاتورة هذا الإرث عاجلاً غير آجل، حيث إن انهيار النظم من الداخل هو النتيجة الحتمية لتراكم الظلم الاجتماعي والتعالي على نبض الشارع. وهكذا، تبقى الأيام القادمة وحدها كفيلة باختبار مدى قدرة النظام الفرنسي على الصمود أمام هذه العواصف الهيكلية المتلاطمة، أو ما إذا كانت هذه الاحتجاجات هي بالفعل الفصول الأخيرة في قصة الجمهورية الفرنسية بصيغتها الحالية.