بقلم: زياد حلبي
في انتظار النتائج النهائية للانتخابات، يبدو أن إسرائيل أفاقت على حقيقتين معلّقتين: حكومة لم يُحسم أمرها، وحرب مع إيران قد يقترب موعدها خلال أسابيع قليلة. وبين سؤال مَن يحكم، وسؤال متى تبدأ الحرب، يقف بلد يستطيع أن يذهب إلى مواجهة جديدة، لكنه لا يستطيع، حتى الآن، أن يعرف كيف يخرج من مواجهته مع نفسه.
ولعل أولى المفارقات المأساوية أن الأحزاب العربية حققت إنجازاً تاريخياً، وأصبحت، وفق الصورة الراهنة، الكتلة الثالثة في الكنيست. غير أن هذا الحضور، الذي يفترض أن يفتح لها أبواب التأثير، صار عند أبواب الحكم ذريعة لإغلاقها.
يقول بنيامين نتنياهو إن خصومه يريدون تشكيل حكومة مع “أعداء إسرائيل” ومع “الإرهاب”. والمقصود نواب عرب، ومن ورائهم نحو عشرين في المئة من مواطني الدولة. وهكذا تصبح أصوات هؤلاء مقبولة حين تدخل صناديق الاقتراع، ومرفوضة حين تخرج منها لتشارك في تقرير مَن يحكم!
والسؤال هنا يتجاوز الحساب الانتخابي إلى أصل المعنى: ماذا كان سيقال لو أعلنت حكومة ألمانية أو بريطانية أنه لا شرعية لحكم يشارك فيه يهود؟ وأي ضجيج كان سيملأ العواصم لو جرى التعامل مع هوية المواطن القومية أو العرقية أو الدينية باعتبارها سبباً لإبطال الأثر السياسي لصوته؟
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، تتكرر المفارقة. ثمة أغلبية للمعارضة إذا احتُسبت الأحزاب العربية، وثمة إمكانية حسابية لحكومة بديلة. لكن الأغلبية لا تتحول إلى حكومة، لأن غادي إيزنكوت يلتقي مع نتنياهو عند الحد الذي يُرسم للتمثيل العربي: لا حكومة إلا بسند من أحزاب صهيونية ويهودية.
يختلف الرجلان على مَن يتولى الحكم، ويلتقيان على مَن يجوز له أن يمنحه الشرعية.
ومرة أخرى، ماذا لو قيل في أوروبا: لا للأحزاب اليهودية، ونعم لحكومة لا تستند إلا إلى أحزاب مسيحية؟ كان العالم سيقوم ولا يقعد. أما هنا، فإن استبعاد العرب يُقدَّم باعتباره شرطاً طبيعياً للحكم، حتى حين يجعل تداول السلطة متعذراً.
وفي عمق هذه الصورة، تبدو عقدة أخرى: إسرائيل، بنخبها البيضاء الممسكة بمفاتيح السلطة، لا تبدو مستعدة لقبول رئيس حكومة من أصول شرقية، حتى لو جاءها برتبة جنرال كبير. كأن المؤسسة تستطيع أن تمنح الرجل موقعاً متقدماً في قيادة الحرب، ثم تتردد حين يصل إلى عتبة قيادة الدولة.
أما التصويت لنتنياهو، فيبدو أن جانباً منه تجاوز التأييد السياسي إلى ما يشبه عبادة لشخصيّته-طبعا هناك اغلبية ضده لكن مشكلتها ان بضمنها العرب بعيون الإسرائيليين بالطبع -. لم تعد المحاسبة وحدها هي التي تضبط العلاقة بين الزعيم وجمهوره. صار حضوره، في ذاته، جواباً عند الذين لا يريدون أن يسمعوا السؤال.
لم يستطع الجدل حول التجنيد، ولا الحساب المفتوح للسابع من أكتوبر، أن يهزم ذلك التسليم بمنطق القوة، وذلك الاستسلام لوعد الحرب والضرب. كأن الإخفاق، مهما بلغ حجمه، لا يسقط الرهان على الرجل ما دام قادراً على استدعاء مواجهة أخرى.
والأمر أوسع من نتنياهو، وإن كان أكثر مَن يجيد استثماره. فالانزياح نحو اليمين، وتصاعد التدين في المجتمع الإسرائيلي، بلغا مدى دراماتيكياً. ولم يعد معظم الإسرائيليين يجدون غضاضة في ممارسات تنطوي على نزعة فاشية واضحة تجاه العرب والفلسطينيين، أينما كانوا.
ومن يتأمل القيادات العليا في الجيش، يصعب أن تفوته كثافة الحضور الديني فيها. وفي هذه الصورة ما يساعد على فهم اتساع التناغم مع اعتداءات المستوطنين، إذ يزداد التقارب بين تصورات القوة في المؤسسة العسكرية، وتصورات الحق لدى الذين يمارسون العنف على الأرض.
ولا نعرف بعد إلى أين تنتهي هذه الطرق المتشابكة: إلى حكومة وحدة تُجمع صفوفها تحت راية الحرب على إيران، أم إلى تعثر جديد يعيد الناخبين إلى الصناديق في مارس المقبل؟، علما ان بامكان المعارضة باغلبيتها البرلمانية ان تشل حكومة انتقالية برئاسة نتنياهو ، تشريعاً وحكماً!
لكن ما يبدو أوضح من شكل الحكومة المقبلة هو الاتجاه الذي تختار إسرائيل أن تسير فيه.
هنا تعود المفاضلة بين “إسبرطة الجديدة”، التي تجعل الحرب نظاماً للحياة، وبين “متسادا”، بما تحمله من خطر الانغلاق والتفكك الجماعي الداخلي. وربما تكمن المأساة في أن الطريقين لا يتباعدان بالقدر الذي يتصوره أصحابهما. فالدولة التي تستدعي الحرب لتؤجل أزمتها الداخلية، قد تكتشف أنها حملت الأزمة معها إلى ساحة الحرب.
وبين هذا وذاك، يواصل نتنياهو تطويع المشهد وتجييره وهندسته، بحيث تتقدم حاجاته الشخصية على ما يُقدَّم بوصفه حاجات وطنية. يحوّل الخوف إلى رصيد، والاستبعاد إلى قاعدة للحكم، واحتمال الحرب إلى عنصر في معادلة بقائه.
وهكذا، حتى حين يخسر الأغلبية في الانتخابات، لا يتضح أن أحداً قد فاز بها أصلاً.
تُحصى المقاعد، وتبقى السلطة معلّقة، لأن الأغلبية التي تسمح بها الصناديق ليست بالضرورة الأغلبية التي تسمح بها إسرائيل