قراءة سياسية وسوسيولوجية في حدود الشراكة العربية وإمكانات التحول داخل النظام السياسي الإسرائيلي
بقلم: الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
لم يعد السؤال المطروح في المشهد السياسي الإسرائيلي مقتصراً على من سيحكم بعد نتنياهو، بل أصبح يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يتشكل في مرحلة ما بعد هيمنة اليمين. وفي هذا السياق، يبرز اسم غادي أيزنكوت وإمكانية تحالفه مع الأحزاب العربية لتشكيل حكومة جديدة، أو الاستناد إلى دعمها البرلماني لتأمين الأغلبية اللازمة للحكم.
من الناحية الحسابية، تستطيع الأحزاب العربية أن تؤدي دوراً حاسماً في معادلة تشكيل الحكومة، لكن السياسة لا تُختزل في الأرقام؛ إذ تتدخل الاعتبارات الأيديولوجية، ومفهوم الهوية الوطنية، وحدود الاعتراف بالفلسطينيين المواطنين في إسرائيل بوصفهم شركاء في صناعة القرار.
أولاً: معضلة الأغلبية السياسية
يحتاج تشكيل الحكومة الإسرائيلية إلى أغلبية لا تقل عن 61 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 عضواً. ولذلك، فإن أي توازن برلماني لا يمنح أحد المعسكرين هذه الأغلبية يفتح الباب أمام مفاوضات مع الأحزاب العربية، سواء عبر المشاركة الوزارية المباشرة أو تقديم الدعم من خارج الحكومة.
غير أن التحالف مع الأحزاب العربية يضع أيزنكوت أمام معادلة مركبة: كيف يمكن بناء ائتلاف قادر على الحكم، مع المحافظة على تماسك الأحزاب اليهودية التي قد ترفض مشاركة عربية كاملة في السلطة؟
ثانياً: حدود الشراكة العربية
من منظور سوسيولوجي، تكشف هذه المسألة عن تناقض بين المواطنة القانونية والمشاركة السياسية الفعلية. فالأحزاب العربية تمثل قطاعاً من المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وتملك قدرة برلمانية يمكن أن تؤثر في تشكيل الحكومات، لكن تحويل هذه القدرة إلى شراكة تنفيذية يظل مرتبطاً بمواقف القوى اليهودية وحدود قبولها بهذه الشراكة.
وهنا يظهر السؤال الفلسفي: هل الديمقراطية مجرد آلية لتجميع الأصوات، أم أنها اعتراف متبادل بحق المختلفين في المشاركة في السلطة وصناعة المستقبل المشترك؟
ثالثاً: حكومة وحدة أم تحالف اضطراري؟
ينبغي التمييز بين ثلاثة احتمالات: حكومة ائتلافية تشارك فيها الأحزاب العربية، وحكومة أقلية تعتمد على دعمها البرلماني من الخارج، وحكومة وحدة تجمع أحزاباً من معسكري المعارضة واليمين.
لكل صيغة دلالتها السياسية. فالمشاركة الوزارية تعني قدراً من الاعتراف بالشريك العربي داخل مؤسسات السلطة، بينما قد يتيح الدعم الخارجي تأثيراً برلمانياً من دون ضمان مشاركة مماثلة في اتخاذ القرار. أما حكومة الوحدة بين الأحزاب اليهودية، فلا تعني بالضرورة تغيير موقع الأحزاب العربية في النظام السياسي.
ولذلك، لا يكفي الحديث عن إسقاط نتنياهو أو تغيير قيادة الحكومة للحكم على طبيعة التحول؛ بل ينبغي النظر إلى السياسات الفعلية المتعلقة بالمساواة، والحقوق المدنية، والتمييز، ومكانة المواطنين الفلسطينيين في مؤسسات الدولة.
الخاتمة: اختبار الديمقراطية وحدود التغيير
إن إمكان تحالف أيزنكوت مع الأحزاب العربية يطرح اختباراً سياسياً يتجاوز الحسابات الانتخابية: هل يستطيع النظام السياسي الإسرائيلي الانتقال من منطق الاستفادة من الأصوات العربية إلى الاعتراف بالعرب شركاء في الحكم؟
لا يمكن الجزم بأن حكومة وحدة وطنية ستتشكل، ولا أن أيزنكوت سيقبل بالضرورة شراكة عربية كاملة. فذلك يتوقف على نتائج المفاوضات، ومواقف الأحزاب، وشروط الائتلاف.
لكن المؤكد أن موقع الأحزاب العربية في أي معادلة حكومية سيظل مؤشراً مهماً إلى حدود الديمقراطية التوافقية داخل إسرائيل، وإلى مدى استعداد نظامها السياسي للاعتراف بالتعددية بوصفها أساساً للمواطنة المتساوية، لا مجرد ضرورة تفرضها الحسابات البرلمانية.
الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2