السياسي -متابعات
شلّ إضراب سائقي الشاحنات في جنوب إيطاليا إمدادات الغذاء، وأفرغ رفوف المتاجر خلال أيام، احتجاجًا على ارتفاع أسعار الديزل جراء الحرب الأمريكية الإيرانية.
وانتهت الأزمة بتدخل حكومي رفع إجمالي الدعم إلى 540 مليون يورو، وسط دعوات إلى تسريع التحول نحو النقل الكهربائي.
وبدأ سائقو الشاحنات إضرابهم يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، احتجاجًا على ارتفاع تكلفة الديزل بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ونجحوا في دفع الحكومة إلى التدخل.
وروت الكاتبة روث رايت، وهي أجنبية مقيمة في صقلية، في تقرير نشره “يورونيوز”، أن رفوف المتاجر في منطقتها كانت قد خلت من البضائع بحلول الأربعاء.
وكان الوضع مشابهًا في أنحاء الجزيرة وجنوب البر الإيطالي، حيث أقام السائقون حواجز لمنع الشاحنات المحملة بالغذاء من مغادرة المستودعات.
كما نفد الوقود من محطات البنزين، فيما قال أحد الوزراء إن المافيا استغلت الاحتجاجات بترهيب السائقين لإجبارهم على المشاركة وثقب إطارات الشاحنات.
وأوضحت رايت أن الإضرابات شائعة نسبيًا في إيطاليا؛ إذ يتوقف عمال النقل العام أحيانًا عن العمل احتجاجًا على تدني الأجور أو سوء ظروف العمل، بينما تتعطل خدمات جمع القمامة في بعض الحالات بفعل نفوذ المافيا.
وأشارت إلى أنها كانت تتابع هذه الإضرابات دون أن تتأثر بها مباشرة، رغم تحذيرات أصدقائها الإيطاليين من تكرار تجربة إضراب لسائقي الشاحنات قبل 15 عامًا شلّ إمدادات الغذاء بالكامل، وهو احتمال استبعدته قبل أن تثبت الأزمة الحالية خطأ تقديرها.
رفوف المتاجر تفرغ خلال أيام
وقالت رايت إنها لم تحتج إلى شراء الطعام خلال الأيام الأولى من الإضراب، ولم تتابع باهتمام كبير الأخبار المتعلقة بتداعياته، قبل أن تدرك قرب نفاد بعض الأساسيات، مثل الحليب لطفلها الصغير والفاكهة التي تلجأ إليها عندما يرفض تناول أطعمة أخرى.
وعندها بدأت تتابع مقاطع نشرها مؤثرون محليون، تُظهر ثلاجات وممرات فارغة في متاجر بلدتها، لكنها ظنت أنهم اختاروا التصوير في نهاية اليوم للحصول على مشاهد صادمة تجذب الانتباه.
وللتحقق بنفسها، توجهت صباحًا إلى متاجر “ليدل” و”يورو سبين”، وهي سلسلة متاجر منخفضة الأسعار منتشرة في البلاد، ثم إلى “كوناد” التي تنتشر أيضًا في إيطاليا وتقدم منتجات بأسعار متوسطة.
ولم تجد أطعمة طازجة، سواء اللحوم أو الأسماك أو منتجات الألبان أو الفاكهة والخضروات.
ورغم أن الممرات الأخرى بدت شبه طبيعية، فإن استمرار توقف الشحنات كان ينذر بنفاد المعكرونة والمنتجات المعلبة ومواد التنظيف خلال أيام قليلة.
ورأت الكاتبة أن التجربة كشفت مدى سرعة تعطل منظومة إمدادات الغذاء التي يعتمد عليها السكان، مشيرة إلى أن التحرك كان منسقًا، وشارك فيه ناقلون ومزارعون وأصحاب متاجر، بدعم من مواطنين وطلاب في كثير من الأحيان، لتعطيل نقل السلع وتسليمها والضغط على الحكومة للتدخل.
المتاجر المحلية توفر بديلًا
وبعد مغادرتها المتاجر دون معرفة كيفية تأمين احتياجاتها، مرت رايت، في طريق عودتها إلى المنزل، بمتجر للخضار والفاكهة يُعرف بالإيطالية باسم “frutteria”.
وكانت قد زارته مرات قليلة، مفضلة شراء احتياجاتها دفعة واحدة من السوبرماركت. لكنها وجدته مليئًا بالفاكهة والخضروات، فملأت سلتها وتحدثت مع صاحبه أثناء الدفع.
وأخبرها بأنه لم يواجه مشكلات في التزود بالبضائع، لأن المزارعين المحليين أو موزعيهم يوصلون المحاصيل مباشرة إلى متجره، ما يقلل الاعتماد على سلسلة لوجستية معقدة يمكن تعطيلها.
ووصفت رايت زيارتها غير المتوقعة للمتجر بأنها من أفضل لحظات يومها؛ إذ شعرت بالارتياح بعد العثور على طعام طازج، وتحسن مزاجها بفضل الحديث الودود مع صاحبه، مقارنة بالتعامل العابر عند صناديق الدفع في المتاجر الكبرى.
وأضافت أنها حصلت على فاكهة وخضروات قُطفت قبل أيام قليلة، ولم تُرش بالمواد الكيميائية المستخدمة لمساعدتها على تحمل الرحلات البرية الطويلة.
دعم حكومي لاحتواء الأزمة
ومع استمرار الإضراب، تفاقمت تداعياته يومًا بعد آخر؛ إذ خسرت مصانع جبن الموزاريلا 3 ملايين يورو خلال 24 ساعة، نتيجة تعذر وصول حليب الجاموس اللازم للإنتاج.
كما تضررت شركات البناء بسبب عدم تسلم شحنات المواد الخام.
وفي نهاية المطاف، عقدت الحكومة الإيطالية اجتماعًا طارئًا لمجلس الوزراء، وأقرت تدابير جديدة لمساعدة سائقي الشاحنات والمزارعين والصيادين على مواجهة ارتفاع تكاليف الوقود، ليرتفع إجمالي المساعدات المقدمة في صورة اعتمادات ضريبية إلى 540 مليون يورو، بعدما كان 434 مليون يورو.
وأشارت رايت إلى أنها، بعد مرور أربعة أيام على إزالة آخر الحواجز، كانت لا تزال تنتظر وصول طرود طلبتها قبل بدء الإضراب، فيما أخطرت شركات كبرى، بينها “فينتد” (Vinted)، عملاءها بضرورة توقع تأخيرات في التسليم.
دعوة إلى التحول نحو النقل الكهربائي
واعتبرت الكاتبة أن الاعتماد على الوقود الأحفوري كان السبب الجوهري للاحتجاج وتداعياته؛ فمعظم الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع، من شاحنات التوصيل ووسائل النقل العام إلى إنتاج السلع، ترتبط بالنفط والغاز.
وقد تسببت الحرب في إيران في اضطراب غير مسبوق ونقص في إمدادات الوقود الأحفوري، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع بشدة في دول بعيدة عن ميادين القتال.
وأشار التقرير إلى أن علماء المناخ يؤكدون منذ عقود توافر حلول لخفض انبعاثات الكربون، من أبرزها التحول إلى الكهرباء لتشغيل وسائل النقل والتدفئة والمصانع وغيرها من الأنشطة القابلة للتشغيل الكهربائي، بالاعتماد على مصادر طاقة نظيفة، مثل الرياح والشمس.
وتستحوذ حركة الشاحنات على نحو 11 إلى 17% من إجمالي الطلب على النفط في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، ما يجعل القطاع، بحسب التقرير، مناسبًا للتحول إلى الكهرباء.
وأسهم ارتفاع أسعار الديزل في زيادة قياسية في الإقبال على الشاحنات الكهربائية هذا العام؛ إذ اقتربت المبيعات العالمية للشاحنات الكهربائية المتوسطة والثقيلة من 160 ألف شاحنة خلال النصف الأول، بزيادة نحو 75% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وكما حدث مع مضخات الحرارة وألواح الطاقة الشمسية، منحت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران دفعة إضافية للتحول نحو الطاقة النظيفة.
ودعت الكاتبة الحكومة الإيطالية إلى استخدام الاعتمادات الضريبية لتحفيز شركات النقل على استبدال شاحناتها بأخرى كهربائية، بدلًا من مواصلة ضخ الأموال في دعم الوقود الأحفوري.