بقلم: شادي عيّاد
أكثر ما يبعث على الفخر فينا، والله، أننا أمة لا يفوتها شيء! نتابع الانتخابات الإسرائيلية، ونحلّل مضيق هرمز، ونفكّ شيفرات حرب روسيا، ونقرأ المواقف الصينية كما لو أننا أعضاء في المكتب السياسي لبكين. نراقب سوريا والدروز، واليمن والحوثيين، والسعودية والمصريين، وسدّ النهضة والإثيوبيين. نعرف سعر الذهب والفضة والبترول، ونحفظ تقلّبات الطقس، ونتابع حوادث الإسبان وشغب الفرنسيين، ونختلف على من انتصر ومن انهزم في معركة لا نعرف حتى أين تقع!
ما شاء الله علينا! بقي أن نعرف عدد فناجين القهوة التي شربها آخر مسؤول في الكرملين، ونسبة الرطوبة في غرفة نتنياهو، وسعر ربطة الخبز في آخر قرية صينية، وبعدها نستحق جائزة نوبل في الفضول السياسي العبثي، حتى لو عجزنا عن إدارة مصيبة واحدة في بيتنا الفلسطيني!
المصيبة أننا نعرف ما يجري في العالم كله، إلا ما يجري بنا.
فلسطين؟ آه، فلسطين! تلك المسألة الصغيرة التي تقاطع نشرة أخبارنا أحيانًا، وتعكّر علينا متعة تحليل مصير العالم، وتصرّ على تذكيرنا بأن لنا وطنًا ينزف، وشعبًا يختنق، وأرضًا تتآكل، ومستقبلًا يُسحب من تحت أقدام أبنائنا، بينما نحن مشغولون بتحديد الرابح في الانتخابات الإسرائيلية، وكأن صندوق الاقتراع هناك سيخرج لنا من جيبه دولة فلسطينية جاهزة، مع مفتاح القدس وشهادة ضمان دولية!
ننتظر ماذا سيفعل الإسرائيليون، ومن سيتحالف مع من، ومن سيطيح بمن، وكأن مصيرنا بندٌ في برنامجهم الانتخابي، وكأننا لا نملك من أمرنا شيئًا سوى انتظار نتائج الفرز، ثم إصدار البيانات والتحليلات والتمنيات، وبعدها نعود إلى النوم السياسي الغبي حتى إشعار آخر.
يا سلام على هذا الرهان العظيم! نعلّق مستقبل شعب على انتخابات خصمنا وخصم الأنبياء على مر التاريخ، ونراقب خلافاتهم بشغف، فيما خلافاتنا تأكلنا، وانقساماتنا تلتهم ما تبقّى من قوتنا، ومؤسساتنا تحتاج إلى من يسألها: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن يقود؟ ومن يقرر؟ ومن يحاسب؟ ومن يملك خطة للخروج من هذا النفق؟
أما حالنا الداخلي، فحدّث ولا حرج.
إنه يشبه غرفة طوارئ في مستشفى اختلطت فيها الملفات والأدوار. المريض يصرخ، والطبيب يبحث عن الطبيب، والممرض يسأل عن المناوب، والمناوب لا يعرف من المسؤول، والمسؤول يطلب اجتماعًا لتحديد المسؤولية، والاجتماع يحتاج إلى لجنة تحضيرية، واللجنة تنتظر التوافق، والتوافق ينتظر قرارًا، والقرار ينتظر توقيعًا، والتوقيع ينتظر اللحظة المناسبة!
وفي الخارج، يقف الوطن على باب غرفة الإنعاش، فيما بعض ساسته يتجادلون حول من يملك حق الكلام باسم المريض، ومن يرث سريره، ومن يضع صورته على باب المستشفى!
ولعلّ أكثر ما يثير الغضب أن هذا العبث لم يأتِ من فراغ. فمنذ أن قررت حماس أن تجعل من التنظيم وطنًا، ومن السلاح سلطة، ومن قرارها الفئوي بديلًا عن القرار الوطني، وفلسطين تدفع أثمانًا لا تنتهي. انقلابها على الشرعية، وانفصال غزة عن الوطن، والزجّ بالشعب في مغامرات لم تكن تملك وحدها حق تقرير مصير نتائجها، كلها أسئلة وطنية وتاريخية لا يجوز دفنها تحت ركام الشعارات. والأكثر إيلامًا أن قرارًا فلسطينيًا بحجم شعب وقضية أصبح رهينة حسابات تنظيمية ومحاور إقليمية، فيما دفع أهل غزة من دمهم وبيوتهم وأعمار أبنائهم أثمانًا باهظة. أي وطن هذا الذي يُطلب من شعبه أن يحاسب الموظف والتاجر والمواطن على كل صغيرة وكبيرة، بينما تبقى القرارات التي دمرت وحدته ومزقت جغرافيته خارج دائرة المحاسبة الوطنية؟
لا أحد عاد يعرف من مع من، ومن ضد من، ومن يناور على حساب من، ومن يخلط المصلحة الوطنية بمصلحته الدنيئة، ومن يرفع شعار الوحدة نهارًا ثم يطعنها ليلًا. صار المواطن بحاجة إلى خريطة تحالفات كي يفهم تصريحًا فلسطينيًا، وإلى قاموس سياسي كي يميّز بين الموقف والمناورة، وبين المسؤولية والهروب منها.
والألعن من ذلك أن كل طرف يملك رواية كاملة عن أخطاء الآخرين، ولا يملك شجاعة الاعتراف بخطئه هو. الجميع وطنيون في الخطب، حكماء في التحليلات، أبطال في توزيع الاتهامات، وعاجزون حين يصل الأمر إلى السؤال البسيط: ماذا فعلتم لإنقاذ فلسطين؟
أما فسادنا الإداري، فله حكاية أخرى لا تقل مرارة. مؤسسات تتضخم فيها المناصب أكثر مما تتضخم فيها الإنجازات، ومحسوبية تزاحم الكفاءة، وامتيازات تتوارثها شبكات المصالح، ومسؤولون يرحلون من موقع إلى آخر دون أن يسألهم أحد عمّا أنجزوا أو عمّا أفسدوا. مواطن ينتظر راتبه وحقه وخدمته، وموظف يواجه شروط التقشف، فيما أبواب الامتيازات لا تُغلق في وجه أصحاب الحظوة. وكأن الوظيفة العامة أصبحت ملكية خاصة، والموقع العام فرصة للاستثمار الشخصي، والمحاسبة ضيفًا ثقيلًا لا يرغب أحد في استقباله!
نحن لا نعاني نقصًا في المحللين، لدينا من يحلّل حتى صمت الصامتين، ولا نقصًا في الخبراء، فكل واحد فينا خبير في مصائر الشعوب. مشكلتنا أننا حوّلنا السياسة إلى فرجة، والوطن إلى مادة للنقاش، والأزمة إلى مسلسل يومي، والمواطن إلى متفرج يدفع ثمن التذكرة من عمره وكرامته ومستقبل أولاده.
والله، لو استُثمر نصف الوقت الذي ننفقه في تحليل العالم في مراجعة أحوالنا، ومحاسبة المقصّرين، وإنهاء الانقسام، وتجديد الشرعيات، وإصلاح المؤسسات، واستعادة ثقة الناس، لربما تغيّر شيء في هذه البلاد. لكننا نفضّل أن نعرف ماذا سيحدث غدًا في تل أبيب، على أن نسأل ماذا سيحدث غدًا في رام الله وغزة والقدس. لأن السؤال الأول يمنحنا متعة التحليل، أما الثاني فيفرض علينا مسؤولية الفعل.
وهنا بيت القصيد: لسنا شعبًا تنقصه المعرفة، بل حالة سياسية اعتادت استهلاك المعرفة كي تهرب من المسؤولية.
لا أحد يطلب من الفلسطيني أن يغلق عينيه عن العالم، فالعالم يؤثر فينا وكل تلك الملفات “مهمة”. لكن ما معنى أن نعرف كل شيء عن الآخرين، ونترك بيتنا الفلسطيني نهبًا للارتباك والعجز والتجاذبات؟ ما قيمة أن نحفظ أسعار الذهب، فيما قيمة الإنسان الفلسطيني تتراجع في حسابات السياسة والحياة اليومية؟ وما نفع أن نحلّل خرائط النفوذ الدولي، فيما الخريطة الفلسطينية نفسها تتآكل تحت أقدامنا؟
يا سادة، فلسطين ليست ملفًا إضافيًا في نشرة الأخبار، ولا فقرة نؤجلها إلى ما بعد هرمز وموسكو وبكين، ولا قضية نفتحها حين يهدأ العالم. فلسطين هي البيت الذي إن انهار، فلن تنفعنا معرفة أخبار العالم كله.
كفى هذا العبث! كفى أن نكون أبطالًا في تفسير أزمات الآخرين، وكومبارس في تقرير مصيرنا. كفى أن نلعن الاحتلال، ثم نمنح عجزنا حصانة من النقد. وأن نطالب العالم بإنقاذ فلسطين، فيما نعجز عن الاتفاق على إنقاذ ما تبقّى من وحدتنا ومؤسساتنا ومشروعنا الوطني.
اللعنة على كل عقل سياسي يرى الخطر في كل عاصمة، ولا يراه حين يزحف إلى بيته. واللعنة على كل من يتخذ من القضية سلّمًا لموقعه، ومن معاناة الناس ستارًا لعجزه، ومن الانقسام فرصةً لبقائه، ومن المال العام غنيمة، ومن الوظيفة العامة امتيازًا شخصيًا.
فلسطين لا تحتاج مزيدًا من المتفرجين الذين يعرفون كل شيء، بل تحتاج رجالًا ونساءً يعرفون أن الوطن لا يُدار بالتمنيات، ولا يُحمى بالتصريحات، ولا يُستعاد بانتظار ما ستقرره صناديق الآخرين.
أما نحن، فسنواصل على ما يبدو متابعة أسعار الذهب، لعلّنا نكتشف يومًا أن أغلى ما خسرناه لم يكن الذهب ولا الفضة ولا البترول…
بل فلسطين، حين صرنا نعرف أخبار العالم أكثر مما نعرف كيف ننقذها!
بقلم: شادي عيّاد