ميساء ابو غنام
كثير من الناس بسمعوا مصطلحات مثل الحريديم، الحسيديم، الأشكناز والسفارديم، وبيعتقدوا إنهم جميعًا طوائف دينية أو أحزاب سياسية، لكن الحقيقة إن المجتمع اليهودي في إسرائيل مقسّم وفق الأصل العرقي والانتماء الديني والتوجه السياسي، ولكل مجموعة تأثير مختلف على الدولة.
أولًا: الأشكناز والسفارديم والمزراحيم… شو الفرق بينهم؟
الأشكناز هم اليهود من أصول أوروبية، وكان إلهم دور أساسي في تأسيس دولة إسرائيل ومؤسساتها السياسية والعسكرية.
السفارديم هم اليهود المرتبطون تاريخيًا بإسبانيا والبرتغال، وانتشروا بعد طردهم في نهاية القرن الخامس عشر في شمال أفريقيا والدولة العثمانية.
أما المزراحيم فهم اليهود الشرقيون من أصول عراقية ويمنية وإيرانية ومغاربية وغيرها. وكثيرًا ما يُستخدم مصطلح السفارديم سياسيًا ودينيًا ليشمل مجموعات من المزراحيم.
ثانيًا: الحريديم والحسيديم… شو الفرق؟
الحريديم هم اليهود المتدينون المتشددون في الالتزام بالشريعة اليهودية، ويعطون أهمية كبيرة للدراسة الدينية وسلطة الحاخامات، ويطالب كثير من ممثليهم بالحفاظ على إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد.
أما الحسيديم فهم تيار داخل المجتمع الحريدي، وليسوا جماعة منفصلة عنه، ويتميزون باتباع قيادات دينية خاصة وبالتقاليد الروحية والاجتماعية.
وهناك أيضًا الحريديم الليتوانيون، الذين يركزون على الدراسة التلمودية، والحريديم السفارديم الذين يتبعون مرجعيات دينية مختلفة.
ثالثًا: الأحزاب الدينية وتأثيرها في السياسة الإسرائيلية
هنا نصل إلى الأهم.
1. حزب شاس (ש״ס):
يمثل بالأساس التيار الحريدي السفاردي والشرقي، لكنه يستقطب أيضًا ناخبين تقليديين. تأسس عام 1984، وارتبط تاريخيًا بالزعيم الديني عوفاديا يوسف.
يركز على التعليم الديني والمخصصات الاجتماعية ومصالح جمهوره، ويتمتع بمرونة سياسية مكّنته تاريخيًا من المشاركة في حكومات مختلفة.
2. يهدوت هتوراه (יהדות התורה):
تحالف حريدي أشكنازي يضم حزبين: أغودات يسرائيل الذي يرتبط أساسًا بالحسيديم، وديغل هتوراه الذي يمثل التيار الليتواني.
أولوياته الحفاظ على استقلال المؤسسات التعليمية الدينية، وتمويل المعاهد الدينية، والإعفاءات من التجنيد، ومكانة المرجعيات الحاخامية.
3. الصهيونية الدينية (הציונות הדתית):
وهنا الفرق الجوهري. هذا التيار ليس حريديًا بالمعنى التقليدي، بل يجمع بين الالتزام الديني والقومية الصهيونية، ويؤمن بالمشاركة في الجيش ومؤسسات الدولة.
وتتبنى قوى بارزة داخله مواقف مؤيدة للاستيطان والسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وتربط بعض تياراته هذه المواقف بمعتقدات دينية وتاريخية.
رابعًا: لماذا تتمتع الأحزاب الدينية بهذه القوة؟
الكنيست الإسرائيلي يتكون من 120 مقعدًا، وتشكيل حكومة مستقرة يحتاج عادةً إلى دعم أغلبية من 61 عضوًا.
وفي ظل تعدد الأحزاب وصعوبة حصول حزب واحد على الأغلبية، تتحول الأحزاب الدينية إلى أطراف مؤثرة في المفاوضات الائتلافية.
وهنا تصبح قضايا مثل تجنيد الحريديم، وتمويل المدارس الدينية، وصلاحيات المحاكم الحاخامية، وقوانين الأحوال الشخصية، وحتى الاستيطان، جزءًا من المفاوضات على تشكيل الحكومة.
خامسًا: هل جميع المتدينين الإسرائيليين متطرفون أو مؤيدون للاحتلال؟
بالتأكيد لا. هناك اختلافات عميقة بين التيارات الدينية، وحتى داخل التيار الواحد. فبعض الجماعات الحريدية تعارض الصهيونية من منطلق ديني، لكنها لا تتبنى بالضرورة مواقف سياسية مؤيدة للحقوق الوطنية الفلسطينية، بينما توجد مجموعات دينية أخرى تدعو إلى السلام وحقوق الإنسان.
الخلاصة:
لفهم السياسة الإسرائيلية لا يكفي أن نعرف عدد المقاعد التي حصل عليها نتنياهو أو آيزنكوت أو غيرهما، بل يجب أن نفهم طبيعة الأحزاب الدينية ومرجعياتها ومصالحها، لأن هذه الأحزاب لا تتفاوض فقط على الحقائب الوزارية، وإنما على شكل العلاقة بين الدين والدولة، وعلى قضايا تؤثر في المجتمع الإسرائيلي ومستقبل الفلسطينيين.
والفرق الأساسي أن الأحزاب الحريدية تضع الحفاظ على نمط حياتها ومؤسساتها الدينية في مقدمة أولوياتها، بينما تجعل قوى الصهيونية الدينية من الأرض والسيادة والاستيطان قضايا مركزية في مشروعها السياسي.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين التوراة كمرجعية دينية، والدين كهوية اجتماعية، والأحزاب الدينية كقوة سياسية داخل إسرائيل.