جاري التحميل...

الدكتور صالح الشقباوي… حين يلتقي النضال بالفكر والثقافة

شخصية فلسطينية حملت الوطن في الذاكرة، وجعلت من المعرفة امتداداً للمقاومة

“اكتب عن نفسي خارج نفسي
وعن ذاتي دون ذاتي
اكتب عن وعي هو أت”
وليس ات

د ص.ش

ليس من السهل أن تجتمع في شخصية واحدة تجارب النضال الوطني، وعمق التفكير الفلسفي، والاشتغال الأكاديمي والثقافي. فهذه المسارات، وإن اختلفت أدواتها، تلتقي عندما يتحول الانتماء إلى قضية، ويصبح الوعي مسؤولية، وتغدو المعرفة شكلاً من أشكال الدفاع عن الوجود والهوية.
يمثل الدكتور صالح الشقباوي نموذجاً لمسار فلسطيني تشكل بين تجربة النضال الوطني ورحلة البحث العلمي والفلسفي. فهو ابن تجربة فلسطينية ارتبطت بفتح والثورة الفلسطينية، وحمل في مسيرته العسكرية والوطنية ذاكرة جيل آمن بأن فلسطين ليست مجرد أرض مفقودة، بل قضية وجود وحق وتاريخ ومستقبل.

أولاً: النضال بوصفه هوية وذاكرة

لم يكن الانتماء الوطني بالنسبة إلى الشقباوي مجرد موقف سياسي عابر، بل تجربة حياة ارتبطت بسنوات طويلة من الالتزام بالقضية الفلسطينية. فمنذ التحاقه بالثورة الفلسطينية، ظل يرى في فلسطين جوهر الانتماء، وفي حركة فتح إطاراً تاريخياً لتجسيد الإرادة الوطنية الفلسطينية.
لقد عاش تجربة المناضل والعسكري، وتدرج في مسارات التأهيل العسكري، وحمل ذاكرة جيل عايش تحولات الثورة والمنفى والشتات. ولذلك فإن فلسطين في خطابه ليست شعاراً، بل ذاكرة شخصية وجماعية تتداخل فيها التجربة الإنسانية مع التاريخ الوطني.

ثانياً: من البندقية إلى الفلسفة

لعل أبرز ما يميز مسيرته هو انتقاله بين عالمين متكاملين: عالم النضال الوطني وعالم الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
فقد أدرك أن المعركة الفلسطينية ليست معركة جغرافيا وحدود فحسب، وإنما معركة سردية ووعي ومعرفة واعتراف بالكينونة الفلسطينية.
ومن هنا اتجه إلى دراسة الفلسفة وعلم الاجتماع، وحصل على درجتي الدكتوراه، ليجعل من البحث الأكاديمي مجالاً لمساءلة التاريخ والواقع والإنسان.
إن الانتقال من أدوات النضال الميداني إلى أدوات التحليل الفلسفي لا يعني مغادرة القضية، بل إعادة اكتشافها من زاوية معرفية أعمق؛ فالبندقية قد تدافع عن الأرض، لكن الفكر يحمي معنى الأرض في الوعي والتاريخ.

ثالثاً: الجزائر… الحاضنة الثانية للهوية

لا يمكن قراءة تجربة صالح الشقباوي بمعزل عن الجزائر، البلد الذي احتضن حياته العلمية والإنسانية، وفتح أمامه أبواب المعرفة والجامعة والثقافة.
لقد عاش في الجزائر، وتعلم في مؤسساتها، وتدرج في مساره الأكاديمي حتى ارتبط اسمه بجامعة الجزائر 2 أستاذاً محاضراً في الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
وهكذا تشكلت في تجربته معادلة وجدانية وفكرية خاصة: فلسطيني في جذوره وذاكرته الوطنية، جزائري في تجربته العلمية والإنسانية، وعربي في انتمائه الحضاري.
إن الجزائر بالنسبة إليه ليست محطة إقامة، بل وطن احتضان ووفاء وذاكرة، وهو ما يفسر حضوره الدائم في التعبير عن المحبة والتقدير للشعب الجزائري وتاريخه التحرري.

رابعاً: الفلسفة بوصفها دفاعاً عن الكينونة الفلسطينية

في كتاباته الفلسفية والسوسيولوجية، يحاول الشقباوي أن ينقل القضية الفلسطينية من حدود الخطاب السياسي التقليدي إلى فضاء الأسئلة الوجودية والمعرفية.
فهو يتناول مفاهيم الكينونة والهوية والذاكرة والزمن والاغتراب، ويربطها بالتجربة الفلسطينية، باعتبار أن الشعب الذي تعرض للاقتلاع لا يدافع عن أرضه وحدها، بل يدافع أيضاً عن حقه في الوجود والتاريخ وصناعة المستقبل.
ومن هنا تتبلور رؤيته التي تجعل من الدولة الفلسطينية تعبيراً سياسياً عن حق الوجود، ومن الثقافة أداة لحماية الذاكرة، ومن المعرفة وسيلة لمواجهة محاولات الطمس والتغييب.

خامساً: الثقافة مسؤولية وطنية

إن المثقف الفلسطيني لا يستطيع أن يكون منفصلاً عن آلام شعبه وأسئلته الكبرى. فالثقافة ليست ترفاً فكرياً، والفلسفة ليست انعزالاً عن الواقع، بل هما مسؤولية أخلاقية ومعرفية تجاه الإنسان والوطن.
ومن هذا المنطلق، تتخذ كتابات الشقباوي طابعاً نقدياً يسعى إلى مساءلة الواقع الفلسطيني، وتحليل أزماته السياسية والاجتماعية، وطرح أسئلة المستقبل، دون التخلي عن الذاكرة الوطنية التي شكلت أساس تجربته.
الخاتمة: الإنسان الذي يحمل فلسطين في ثلاثة عوالم
إن قراءة تجربة الدكتور صالح الشقباوي تكشف عن مسار تتقاطع فيه ثلاثة عوالم: النضال الذي يصون الذاكرة، والفكر الذي ينتج الوعي، والثقافة التي تمنح الهوية قدرتها على الاستمرار.
فهو ينتمي إلى جيل رأى فلسطين قضية عمر، والجزائر فضاءً للعلم والحياة، والفلسفة طريقاً لفهم الإنسان والتاريخ والوجود.
إن قيمة الإنسان لا تصنعها الألقاب وحدها، بل تصنعها التجربة والموقف والإنتاج المعرفي والوفاء للقضية. وتبقى فلسطين أكبر من كل الأسماء، لكنها تحفظ في ذاكرتها أولئك الذين جعلوا من حياتهم مساحة للدفاع عن حريتها وكرامة شعبها.
الدكتور صالح الشقباوي أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
باحث في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي والقضية الفلسطينية.