بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليست أزمة الأوطان العربية كامنةً في شحّ الموارد، ولا في تعثّر مشاريع التنمية وحدها، بل في أزمة أعمق تتصل ببنية الوعي، وطبيعة التفكير، وعلاقة الإنسان بالحقيقة والسلطة والمعرفة. فالأوطان لا تفقد قدرتها على النهوض حين تنقصها الإمكانات فحسب، وإنما حين تُحاصَر عقولها، وتُصادَر أسئلتها، ويُصبح الاختلاف تهمة، والنقد خروجاً على الجماعة، والتفكير المستقل ضرباً من ضروب المغامرة غير المأمونة.
إن ما تحتاج إليه مجتمعاتنا ليس مزيداً من حرّاس العتمة، ولا مزيداً من الأصوات التي تتقن ترديد المألوف وتقديس الموروث دون تمحيص، وإنما حاجتها الحقيقية إلى عقول نقدية لا تخشى مساءلة المسلّمات، وضمائر أخلاقية لا تقايض كرامة الإنسان بمكاسب عابرة، ومثقفين يدركون أن وظيفة الفكر ليست تزيين الواقع، بل كشف تناقضاته، وأن مسؤولية الكلمة لا تنفصل عن مسؤولية الحقيقة.
أولاً: حين يصبح السؤال فعلاً من أفعال التحرر
منذ أن جعل سقراط السؤال جوهر الممارسة الفلسفية، ارتبطت قيمة العقل بقدرته على فحص ما يبدو بديهياً. فالحياة التي لا تخضع للمساءلة تفقد قدرتها على اكتشاف أخطائها، والإنسان الذي يتوقف عن السؤال يتحول تدريجياً إلى تابع لما يُملى عليه.
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية دعوة إيمانويل كانط إلى الخروج من حالة القصور العقلي، وإلى امتلاك الشجاعة لاستخدام العقل دون وصاية. فالتنوير، في جوهره، ليس تراكم المعلومات، وإنما تحرر الإنسان من الخوف الذي يمنعه من التفكير بنفسه.
ولعل المأزق العربي الأشد خطورة هو أننا كثيراً ما نطلب من العقل أن يبرهن على صحة ما قررناه سلفاً، بدلاً من أن نمنحه الحرية الكافية لاختبار صحة قراراتنا ومعتقداتنا وتصوراتنا. وهكذا يتحول الفكر من أداة للاكتشاف إلى جهاز للدفاع عن المسلّمات، ويصبح المثقف، في بعض تجلياته، موظفاً لدى الرواية السائدة، لا شاهداً نقدياً عليها.
ثانياً: الاستبداد لا يصادر الحرية وحدها، بل يصادر الوعي أيضاً
أدرك عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه «طبائع الاستبداد»، أن الاستبداد ليس مجرد انفراد بالحكم، بل منظومة تمتد آثارها إلى العقل والأخلاق والتعليم والعلاقات الاجتماعية. فالاستبداد الذي يخشى حرية التفكير لا يكتفي بإسكات المعارض، بل يسعى إلى إنتاج إنسان يخاف الاعتراض حتى في غياب الرقيب.
ومن هنا تتضح خطورة استبداد الوعي؛ إذ قد يتحول الفرد إلى حارس للسجن الذي يقيم فيه، ويدافع عن القيود التي تمنعه من رؤية العالم خارج الأسوار.
وفي السياق نفسه، يلفت أنطونيو غرامشي الانتباه إلى دور الهيمنة الثقافية في تشكيل وعي المجتمع، بحيث لا تعمل السيطرة بالقوة وحدها، وإنما عبر إنتاج منظومة من الأفكار والقيم والتصورات التي تجعل واقعاً تاريخياً قابلاً للتغيير يبدو وكأنه حقيقة طبيعية لا بديل عنها.
وهذا ما يستدعي تحرير الثقافة من التبعية، والتعليم من التلقين، والإعلام من صناعة الامتثال، حتى لا تتحول المؤسسات التي يفترض أن تنير العقل إلى أدوات لإعادة إنتاج العتمة.
ثالثاً: الحقيقة ليست ملكاً للسلطة ولا امتيازاً للأغلبية
من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع أن تصبح الحقيقة خاضعة لموازين القوة، وأن تُقاس صحة الأفكار بمقدار ما تحققه من منفعة لأصحاب النفوذ، لا بمدى اتساقها مع الوقائع والأدلة.
لقد دافع كارل بوبر، في تصوره للمجتمع المفتوح، عن ضرورة إتاحة النقد وتصحيح الأخطاء، معتبراً أن المؤسسات والمجتمعات القادرة على مراجعة نفسها أكثر استعداداً لمقاومة الانغلاق الفكري والسياسي. فالمجتمع المفتوح لا يقوم على امتلاك الحقيقة النهائية، وإنما على الاعتراف بإمكان الخطأ، وإتاحة المجال لتصحيحه.
أما حنّة آرنت، فقد نبّهت إلى خطورة تآكل الحقيقة الواقعية في المجال العام، حين تختلط الوقائع بالأكاذيب، وتُستبدل المعرفة بالدعاية، ويصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين ما حدث فعلاً وما يراد له أن يصدقه.
وهنا تكمن مسؤولية المثقف والصحفي والباحث: ألا يجعلوا الحقيقة رهينة انتماءاتهم، وألا يخلطوا بين الولاء للأوطان والولاء لمن يتحدثون باسمها. فالوطن ليس سلطة عابرة، ولا حزباً، ولا جماعة، ولا رواية أحادية؛ إنه الإنسان وذاكرته وكرامته وحقه في مستقبل أكثر عدلاً.
رابعاً: المثقف بين ضمير المعرفة وإغراء المصلحة
ليس كل من امتلك المعرفة مثقفاً بالمعنى الأخلاقي للكلمة، وليس كل من تصدّر المنابر امتلك شجاعة الموقف. فالثقافة ليست زينة لغوية، ولا رصيداً من الشهادات والألقاب، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية تتجلى في القدرة على قول ما ينبغي قوله، حتى حين تكون كلفة الحقيقة مرتفعة.
وقد عبّر إدوارد سعيد، في تصوره لدور المثقف، عن ضرورة مقاومة الامتثال والوقوف في وجه السلطات التي تسعى إلى احتكار الرواية وتوجيه الوعي. فالمثقف الحقيقي لا يستمد قيمته من قربه من مراكز النفوذ، بل من استقلاله عنها، ومن قدرته على مساءلة ما يراه الآخرون أمراً مسلّماً به.
وفي تراثنا العربي، تبرز تجربة ابن رشد شاهداً على الصراع التاريخي بين حرية التأويل وسلطة الانغلاق؛ فقد دافع عن مكانة العقل، وعن إمكان التوفيق بين النظر العقلي والحقيقة الدينية، رافضاً أن يكون التفكير الفلسفي نقيضاً للمعرفة.
كما أن دعوة طه حسين إلى إعمال العقل والنقد في دراسة التراث لم تكن دعوة إلى القطيعة مع الماضي، بل إلى إعادة قراءته بعيداً عن الخوف والتقديس غير النقدي. فالتراث الذي لا نعيد مساءلته يتحول من ذاكرة حية إلى سلطة تعطل الحاضر.
إن المثقف الذي يصمت عن الظلم حفاظاً على امتيازاته لا يحمي الثقافة، بل يتخلى عن أحد أهم أسباب وجودها. والذي يبرر الخطأ لأن مرتكبه ينتمي إلى جماعته، يضع العصبية فوق الحقيقة، والمصلحة فوق الضمير.
خامساً: لا نهضة بلا كرامة الإنسان
لا يمكن لأي مشروع حضاري أن يكتسب مشروعيته إذا جعل الإنسان وسيلة لخدمة السلطة أو الأيديولوجيا أو المصالح الاقتصادية. فالنهضة ليست ارتفاعاً في الأبنية، ولا تضخماً في الأرقام، ولا استعراضاً للتكنولوجيا، إذا ظل الإنسان خائفاً من التعبير عن رأيه، عاجزاً عن الدفاع عن حقه، ومهدداً في كرامته وحريته.
لقد جعل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط احترام الإنسان غاية أخلاقية، لا مجرد وسيلة لتحقيق غايات الآخرين. وهذه الفكرة، على بساطتها وعمقها، تصلح معياراً لاختبار كل خطاب يدّعي الإصلاح: هل يوسّع مساحة الحرية الإنسانية، أم يعيد إنتاج التبعية؟ هل يصون كرامة الفرد، أم يختزل وجوده في وظيفة أو شعار أو هوية مغلقة؟
ومن هنا، لا ينبغي أن يكون الاختلاف مدعاة للخوف، بل فرصة لتوسيع المعرفة. ولا ينبغي أن تكون المواطنة امتحاناً في الطاعة، بل عقداً أخلاقياً وقانونياً يقوم على المساواة والحقوق والواجبات.
*سادساً: من ثقافة التصفيق إلى ثقافة المساءلة*
إن بناء المستقبل يبدأ بإعادة الاعتبار إلى المدرسة التي تعلّم التفكير لا الحفظ وحده، والجامعة التي تنتج المعرفة لا الشهادات فحسب، والإعلام الذي يتحقق من الوقائع لا الذي يكتفي بتسويق الروايات، والمؤسسة الثقافية التي تحتضن الاختلاف لا التي تبحث عن أصوات متشابهة.
نحتاج إلى مراجعة شجاعة لمناهجنا التعليمية، وإلى استقلال البحث العلمي، وإلى فضاء عام يسمح بتعدد الآراء، وإلى قوانين تحمي حرية التعبير وتصون كرامة الإنسان. كما نحتاج إلى التمييز بين النقد والهدم، وبين الاختلاف والعداء، وبين الانتماء الأعمى والمسؤولية الوطنية.
فليس كل ناقد خصماً لوطنه، وليس كل مؤيد خادماً لمصلحته. قد يكون النقد الصادق أكثر أشكال الوفاء عمقاً، وقد يكون الصمت المتواطئ أشد أشكال الخذلان خطراً.
_ الأوطان التي تخاف الأسئلة تخاف مستقبلها
إن معضلتنا ليست في كثرة الأسئلة، بل في ندرة الشجاعة التي تواجهها، وليست في اختلاف الروايات، بل في غياب المعايير التي تمكّننا من اختبارها وتمحيصها. فالحقيقة لا تُستخرج من صناديق الولاء، ولا تُمنح بالأوامر، ولا تصبح حقيقة لمجرد أن أصحاب النفوذ كرروها طويلاً.
إن الأوطان العربية لا تحتاج إلى من يحرس عتمتها، بل إلى من يفتح نوافذها، ولا إلى من يقدّس أخطاءها، بل إلى من يمتلك شجاعة الاعتراف بها وتصحيحها. تحتاج إلى عقل لا يستعير يقينه من الآخرين، ومثقف لا يبيع ضميره في سوق المصالح، ومواطن يعرف أن كرامته ليست منحة، وأن حريته ليست ترفاً، وأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد.
فالأمة التي تخشى السؤال تظل أسيرة إجاباتها القديمة، والأمة التي تجرؤ على نقد ذاتها تفتح الطريق أمام ولادة جديدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن ليس أن يختلف أبناؤه في تفسير واقعه، بل أن يفقدوا القدرة على التفكير فيه؛ فحين تنطفئ حرية العقل، لا تعود العتمة حالةً طارئة، بل تصبح نظاماً لإدارة الحياة.
Imad Khaled Rahmeh