جاري التحميل...

المهمة السوفيتية..حيث دشنت الكلبة “لايكا” عصر الرحلات الفضائية

السياسي -متابعات

قبل نحو 69 عاما، انطلقت الكلبة السوفيتية لايكا في رحلة تاريخية إلى الفضاء، لتصبح أول كائن حي يدور حول الأرض، لكنها لم تكن تعلم أن رحلتها ستكون بلا عودة، بعدما أرسلها العلماء السوفييت في مهمة انتحارية مهدت الطريق أمام إرسال البشر إلى الفضاء.

وتروي شبكة “بي بي سي” البريطانية، في تقرير استعاد تفاصيل هذه الرحلة، قصة لايكا التي تحولت إلى بطلة وطنية ورمز لسباق الفضاء في الحرب الباردة، رغم النهاية المأساوية التي واجهتها، كاشفة جوانب من حياتها قبل الإطلاق، وشهادات نجل أحد العلماء الذين أشرفوا على برنامج الفضاء السوفيتي، الذي لعب معها عندما كانت طفلة.

وفي 3 نوفمبر 1957، أطلق الاتحاد السوفيتي لايكا من قاعدة بايكونور الفضائية، بعد أقل من شهر على نجاحه في وضع أول قمر صناعي في العالم، “سبوتنيك 1″، في مدار الأرض يوم 4 أكتوبر من العام نفسه.

 

وكان رئيس الوزراء السوفيتي آنذاك نيكيتا خروتشوف قد طلب من العلماء إطلاق مهمة فضائية جديدة بالتزامن مع الذكرى الأربعين للثورة الروسية، التي تحل في 7 نوفمبر، مانحا إياهم بضعة أسابيع فقط لتنفيذ المهمة، بقيادة كبير المصممين سيرغي كوروليوف.

وقال فيكتور يازدوفكي، نجل فلاديمير يازدوفكي الذي كان مسؤولا عن الجانب الطبي في برنامج الفضاء السوفيتي، إن والده أحضر لايكا إلى منزل جدته بالقرب من موسكو قبل إطلاقها، حيث لعب معها وأشقاؤه عندما كان في التاسعة من عمره.

ووصفها بأنها كانت كلبة صبورة وودودة، سهلة التدريب وذكية، ولها عينان داكنتان معبرتان، موضحا أن والده أراد أن تعيش تجربة الوجود في منزل قبل رحلتها إلى الفضاء.

وأضاف أن العلماء كانوا يدركون أن لايكا لن تعود، إذ لم تكن التقنيات المتاحة آنذاك تسمح بإعادة كائنات حية من المدار إلى الأرض، مشيرا إلى أن الجميع كانوا قلقين بشأن مصيرها.

لماذا اختار السوفييت الكلاب الضالة؟
بين عامي 1951 و1965، أرسل الاتحاد السوفيتي أكثر من 50 كلبا إلى الفضاء، وكانت الرحلات التي سبقت مهمة لايكا تجري في مسارات دون مدارية.

واختار العلماء الكلاب بدلا من القرود التي استخدمها الأمريكيون في تجاربهم الفضائية، بعدما أظهرت التجارب السابقة أن القرود قد تتعرض لنوبات قلبية أو تفشل في تحمل ظروف الإطلاق.

وأوضح يازدوفكي أن العلماء كانوا يعرفون فسيولوجيا الكلاب بصورة جيدة، بفضل أبحاث العالم الروسي إيفان بافلوف، الذي درس الدورة الدموية والهضم والنشاط العصبي لديها، وحصل على جائزة نوبل عن أبحاثه.

ولم يقتصر الاختيار على الكلاب عموما، بل تعمد العلماء انتقاء الكلاب الضالة التي عاشت في شوارع موسكو، باعتبارها أكثر قدرة على التحمل وأقل تطلبا، بعدما ساعدتها ظروف الحياة القاسية على اكتساب الصلابة اللازمة لمواجهة ظروف الرحلة.

كما اختيرت الإناث لسهولة التعامل معها، ولأن تصميم المركبة كان يتطلب كلابا لا يزيد وزنها على 6 إلى 7 كيلوغرامات.

وخضعت الكلاب لتدريبات قاسية داخل كبسولات صغيرة مضغوطة لعدة أيام وأسابيع، لاختبار قدرتها على تحمل الأصوات المختلفة وتغيرات ضغط الهواء وانعدام الوزن.

رحلة بلا عودة ونهاية مأساوية
عندما قُدمت لايكا للجمهور عبر الإذاعة، كان اسمها الأصلي “كودريافكا”، أي “ذات الشعر المجعد”، لكنها نالت اسم لايكا، الذي يعني “النباحة” باللغة الروسية، بعدما أطلقت نباحها خلال تقديمها.

وبحسب التقرير، لم تكن الاستعدادات للمهمة مكتملة، إذ سارع العلماء إلى تعديل تصميم “سبوتنيك 1” لإضافة حجرة مضغوطة تستوعب الكلبة، دون تطوير نظام العزل الحراري بصورة كافية.

وقال يازدوفكي إن لايكا نفقت بسبب الارتفاع الشديد في درجة الحرارة داخل الكبسولة، بعدما تعطل نظام التحكم الحراري.

ولسنوات طويلة، روج الاتحاد السوفيتي لرواية مفادها أن الكلبة بقيت على قيد الحياة عدة أيام في المدار، قبل أن تكشف السلطات عام 2002 أن فشل أنظمة التحكم المناخي أدى إلى نفوقها بعد 5 إلى 7 ساعات فقط من الإطلاق، نتيجة الحرارة المرتفعة والإجهاد.

وتشير سجلات منزوعة السرية تحتفظ بها المتاحف الأمريكية للطيران والفضاء إلى أن لايكا وصلت إلى المدار وهي على قيد الحياة، وكانت تكمل دورة حول الأرض كل 103 دقائق تقريبا.

وأثار إرسالها في رحلة لم يكن مقررا أن تنجو منها موجة غضب دولية، إذ نظمت جماعات معنية بحقوق الحيوان في بريطانيا احتجاجات أمام السفارة السوفيتية، ودعت أصحاب الكلاب إلى الوقوف دقيقة صمت تكريما لها.

كما خرج محبو الحيوانات في نيويورك بمسيرات برفقة كلابهم أمام مقر الأمم المتحدة، فيما أرسلت الجمعية الأمريكية لمنع القسوة على الحيوانات رسالة احتجاج إلى الاتحاد السوفيتي عبر وزارة الخارجية الأمريكية.

 

من لايكا إلى رحلات البشر
أدت الانتقادات إلى تغيير طريقة تعامل برامج الفضاء مع الحيوانات، إذ أصبحت الرحلات اللاحقة تتضمن أنظمة لاستعادة الحيوانات وإعادتها بأمان إلى الأرض.

وفي 19 أغسطس 1960، أرسل السوفييت الكلبتين بيلكا وستريلكا إلى الفضاء، وتمكنتا من إكمال 17 دورة حول الأرض قبل عودتهما سالمتين في اليوم التالي.

ورغم مصيرها المأساوي، تحولت لايكا إلى واحدة من أبرز أيقونات استكشاف الفضاء السوفيتي، وظهرت صورتها على الطوابع والظروف البريدية التذكارية، كما حملت سجائر وأعواد ثقاب سوفيتية اسمها. وفي عام 2008، أُزيح الستار في موسكو عن نصب تذكاري يبلغ ارتفاعه مترين، يصور صاروخا يتحول إلى يد تقف على راحته كلبة.

وقال يازدوفكي إن رحلة لايكا أثبتت إمكانية بقاء كائن حي في ظروف انعدام الوزن، ومهدت الطريق أمام سفر الإنسان إلى الفضاء.

لكن هذا الإرث لم يخلُ من الندم؛ ففي عام 1998، أعرب أوليغ غازينكو، الذي قاد برنامج تدريب الكلاب للرحلات الفضائية واختار لايكا ودربها، عن أسفه لإرسالها إلى مصيرها، قائلا إن العمل مع الحيوانات مصدر معاناة للعلماء، وإنه كلما مر الوقت ازداد شعوره بالندم، مضيفا أن المهمة لم تحقق من المعرفة ما يبرر موت الكلبة.