السياسي -متابعات
ماذا لو أمكن اختبار ذكاء الحيوانات البرية من دون أسرها أو إخراجها من بيئتها الطبيعية؟
هذا السؤال دفع باحثين إلى ابتكار نظام يحمل اسم “CapuchinAI”، يتيح دراسة القدرات الإدراكية لقرود الكبوشي البيضاء الوجه وهي تعيش بحرية في غابة بتابوغا في كوستاريكا، مستخدمًا الذكاء الاصطناعي وشاشة تعمل باللمس ومكافآت غذائية صغيرة.
ورغم أن الفكرة تبدو بسيطة، إلا أن وراءها محاولة لتجاوز واحدة من أبرز صعوبات دراسة ذكاء الحيوانات، وهي أن معظم التجارب المعرفية تُجرى في ظروف مخبرية محكمة، بينما يصعب إخضاع الحيوانات التي تعيش في البرية للاختبارات نفسها من دون التأثير في سلوكها الطبيعي.
ولهذا صممت عالمة الأنثروبولوجيا في جامعة إيموري، الدكتورة مارسِلا بينيتيز، بالتعاون مع باحثين من مشروع Capuchinos de Taboga وجامعة جورجيا تك، جهازًا محمولًا يعمل بالبطارية ويمكن وضعه داخل الغابة.
شاشة في انتظار القرد المناسب
يتكون النظام من شاشة تعمل باللمس، وكاميرا، وموزع للطعام، وبرنامج للتعرف إلى الوجوه مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وعندما يقترب أحد القرود، يتعرف النظام إلى هويته ويعرض عليه مهمة معرفية على الشاشة. وإذا نجح الحيوان في تنفيذ المطلوب، يحصل تلقائيًا على مكافأة صغيرة، عبارة عن قطعة من الموز المجفف.
وهنا تكمن إحدى أهم ميزات التجربة: القرد هو من يقرر المشاركة. فلا يجبر الباحثون الحيوانات على الاقتراب أو أداء الاختبار، وإنما يتركون لها حرية اختيار متى كانت مستعدة للتفاعل مع الجهاز.
ولأن كل قرد يمكن التعرف إليه على حدة، يستطيع الباحثون أيضاً معرفة المهمة التي أُعدت لكل حيوان، واستبعاد بعض القرود التي قد تسيطر على الجهاز أو تمنع أفرادًا آخرين من الوصول إليه، وهو ما يساعد على الحصول على بيانات أكثر دقة عن أفراد المجموعة.
من الضرب والعض إلى فهم اللعبة
لم يحتج الأمر إلى وقت طويل حتى بدأ القرود باكتشاف طريقة التعامل مع الجهاز. وبحسب الباحثين، فقد كان القرد الأول الذي تفاعل معه، ويدعى بابي (Papi)، يستكشف الجهاز بطريقة بدائية في البداية؛ يلمسه ويعضه ويضربه ويسحبه، في محاولة لمعرفة مصدر المكافأة.
ومع تكرار التجربة، اكتشف أن لمس الشاشة هو ما يؤدي إلى الحصول على قطعة الموز. وبعد أن فهم العلاقة بين الفعل والمكافأة، أصبح يركز على الشاشة بصورة شبه كاملة.
ولاحظ الباحثون أن عددًا من القرود الأخرى اتبع المسار نفسه، ما أظهر مدى قدرتها على التعلم والتكيف مع الجهاز خلال فترة قصيرة.
وقد تبدو هذه التصرفات بسيطة، لكنها بالنسبة للعلماء تحمل قيمة كبيرة؛ إذ تسمح لهم بدراسة الفروق بين الحيوانات نفسها، بدل التعامل مع “ذكاء القرود” باعتباره صفة واحدة متشابهة لدى جميع أفراد النوع.
لماذا اختاروا قرود الكبوشي؟
لم يختر الباحثون هذه المجموعة بصورة عشوائية. ففريق مشروع Capuchinos de Taboga يدرس قرود الكبوشي البيضاء الوجه في محمية غابة تابوغا منذ نحو عقد، ولذلك يمتلك الباحثون معرفة طويلة بأفراد المجموعة وتاريخهم وسلوكهم.
كما تتميز هذه القرود بالفضول والذكاء والتعقيد الاجتماعي والقدرة على حل المشكلات، وهي صفات تجعلها نموذجًا مناسبًا لدراسة الاختلافات الفردية في القدرات العقلية والسلوك.
وترى بينيتيز أن لكل قرد تقريبًا شخصيته وعاداته وعلاقاته الخاصة، وهو ما يجعل السؤال أكثر إثارة من مجرد معرفة مدى “ذكاء” هذه الحيوانات، “لماذا يكون قرد ما أفضل من آخر في مهمة معينة؟ وكيف تؤثر تجارب الحياة والبيئة التي يعيش فيها كل فرد في قدراته الإدراكية؟”.
الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الباحثين
الدراسة المنشورة حول CapuchinAI تقدم المشروع أساساً باعتباره إثباتاً لإمكانية إجراء اختبارات معرفية آلية على حيوانات برية مع التعرف إلى كل فرد منها بصورة موثوقة.
ويعتمد نظام التعرف إلى الوجوه على نموذج تعلم آلي جرى تكييفه للتعرف إلى قرود الكبوشي بدل البشر، وحقق النموذج في الاختبارات المنشورة دقة تتجاوز 97% في التعرف إلى الأفراد من الصور ومقاطع الفيديو والمشاهد الحية.
لكن التكنولوجيا لا تعني أن الباحثين أصبحوا غير ضروريين. على العكس، يؤكد الفريق أن الملاحظات الميدانية طويلة الأمد تظل أساسية لفهم حياة الحيوانات وسلوكها وعلاقاتها الاجتماعية، وأن الذكاء الاصطناعي يأتي هنا كأداة جديدة تساعد على إجراء التجارب بصورة أكثر انتظامًا.
من الطفولة إلى الشيخوخة
وأما الهدف المقبل فيتجاوز معرفة أي القرود أسرع في تعلم لمس الشاشة. إنما يريد الباحثون استخدام النظام لرصد الفروق في القدرات الإدراكية بين أفراد المجموعة، ومعرفة العوامل التي قد تفسرها، ثم تتبع تطور القدرات العقلية للحيوانات على امتداد حياتها.
ووفقاً للخبراء، فقد يتيح ذلك مستقبلًا دراسة تطور الذاكرة والتعلم والمرونة المعرفية مع تقدم القرود في العمر، في محاولة لمساعدة الإنسان على فهم الطريقة التي يفكر بها الحيوان، وربط هذه القدرات بالتحديات التي تواجهها في البرية، بدءًا من البيئة المحيطة بها ووصولًا إلى تجاربها وعلاقاتها الاجتماعية.