السياسي – شهدت الحياة السياسية البريطانية تحوّلًا دراماتيكيًّا مع إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته اليوم الاثنين، منهيًا مسيرة سياسية وقانونية امتدت لعقود، بدأت من أروقة المحاكم وانتهت في مقر رئاسة الوزراء البريطانية وسط ضغوط حزبية وشعبية متزايدة.
ويُعد السير كير ستارمر، المولود في لندن في الـ2 من سبتمبر 1962، أحد أبرز الشخصيات القانونية التي انتقلت إلى العمل السياسي في بريطانيا خلال العقود الأخيرة.
حصل على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة ليدز عام 1985، ثم أكمل دراساته العليا في القانون المدني بكلية سانت إدموند هول التابعة لجامعة أكسفورد عام 1986.
قبل دخوله عالم السياسة، بنى ستارمر سمعة قوية في المجال القانوني، حيث تخصص في قضايا الدفاع الجنائي وحقوق الإنسان بعد انضمامه إلى نقابة المحامين.
وفي عام 2002 مُنح لقب “مستشار الملكة”، قبل أن يتولى منصب مدير النيابة العامة بين عامي 2008 و2013. كما حصل على لقب فارس عام 2014 تقديرًا لخدماته في مجال العدالة الجنائية، بحسب “نيوزويك”.
دخل ستارمر البرلمان لأول مرة عام 2015 نائبًا عن دائرة هولبورن وسانت بانكراس في لندن، وسرعان ما صعد داخل صفوف حزب العمال، حيث شغل منصب وزير شؤون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حكومة الظل خلال قيادة جيريمي كوربين.
وفي أبريل 2020 انتُخب زعيمًا لحزب العمال، ليقود المعارضة البريطانية حتى الانتخابات العامة عام 2024.
وفي الـ5 من يوليو 2024، كلّف الملك تشارلز الثالث ستارمر بتشكيل الحكومة بعد فوز حزب العمال بالانتخابات العامة، ليصبح أول رئيس وزراء من الحزب منذ غوردون براون، وأول زعيم عمالي يحقق انتصارًا انتخابيًّا عامًّا منذ توني بلير.
غير أن هذا الفوز جاء رغم حصول الحزب على إحدى أدنى نسب التصويت لحكومة أغلبية منذ القرن التاسع عشر.
وخلال فترة حُكمه، اتخذت حكومته سلسلة من الإجراءات الداخلية المثيرة للجدل، من بينها إنهاء مدفوعات وقود الشتاء لملايين البريطانيين، وتطبيق برنامج للإفراج المبكر عن السجناء لمعالجة أزمة الاكتظاظ داخل السجون، إضافة إلى تسوية عدد من إضرابات القطاع العام وإطلاق شركة “غريت بريتش إنرجي” للطاقة.
كما شهدت حكومته أكبر زيادات ضريبية منذ عام 1993 ضمن موازنة قادتها وزيرة المالية راشيل ريفز.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تبنى ستارمر موقفًا داعمًا لأوكرانيا في مواجهة روسيا، بينما شهد موقفه من الحرب في غزة تحولًا لافتًا، إذ انتقل من دعم إسرائيل في بداية الصراع إلى المطالبة بوقف إطلاق النار وانتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية.
كما اتخذ خطوة تاريخية بالاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في سبتمبر 2025، ودافع عن اتفاق تسليم أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس.
لكن شعبية ستارمر تعرَّضت لتراجع متواصل بسبب سلسلة من الأزمات والجدل السياسي، من بينها قضية التبرعات والهدايا المجانية، والخلافات المرتبطة بتعيين بيتر ماندلسون سفيرًا لدى واشنطن، ورفع مساهمات التأمين الوطني على أصحاب الأعمال، فضلًا عن تعديلات ضريبة الميراث التي أثارت غضب المزارعين.
كما واجه انتقادات حادة بشأن تعامل الشرطة مع أعمال الشغب في ساوثبورت واحتجاجات إيبينغ؛ ما دفع بعض معارضيه إلى إطلاق وصف “كير ذو المستويين” عليه.
وجاءت الضربة الأقسى في الانتخابات المحلية التي أُجريت في مايو 2026، والتي اعتبرها كثيرون استفتاءً مباشرًا على قيادته.
وأسفرت النتائج عن خسارة حزب العمال أكثر من 1100 مقعد في المجالس المحلية، في حين حقق حزب الإصلاح البريطاني مكاسب كبيرة تجاوزت 1450 مقعدًا؛ ما أدّى إلى تصاعد الأصوات المطالبة برحيله داخل الحزب.
وتفاقمت الأزمة بعد الفوز الكاسح الذي حققه آندي بورنهام في أحد الانتخابات الفرعية، وهو ما شجع عددًا من الشخصيات البارزة في حزب العمال، من بينهم وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، على المطالبة بتنحي ستارمر.
ورغم تأكيده في البداية عزمه على البقاء ومواصلة القتال السياسي، فإن تقارير إعلامية أشارت إلى أنه توصَّل خلال مشاورات مكثفة مع الوزراء والمستشارين والمانحين وقادة النقابات إلى قناعة بأن موقفه لم يعد قابلًا للدفاع عنه.
وفي نهاية المطاف، أعلن ستارمر استقالته في خطاب متلفز اليوم، ليصبح سادس رئيس وزراء بريطاني يغادر منصبه خلال عقد واحد فقط، في مؤشر جديد على حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها المملكة المتحدة.
ومع فتح باب المنافسة على زعامة حزب العمال، يبرز آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى البالغ من العمر 56 عامًا، باعتباره المرشح الأوفر حظًّا لخلافة ستارمر، فيما ألمح وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ إلى نيته خوض السباق إذا تقررت انتخابات قيادة رسمية للحزب.
وباستقالة كير ستارمر، تُطوى إحدى أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، تاركة وراءها إرثًا من الإنجازات والإخفاقات، وأسئلة مفتوحة حول مستقبل حزب العمال واتجاه السياسة البريطانية في المرحلة المقبلة.







