اليوم هو سبت الراقدين، حيث نستذكر كافة الأحبة الذين ودعناهم وانتقلوا من الحياة الفانية إلى الحياة الخالدة. نذكرهم ونصلي من أجل راحة نفوسهم، لأننا أبناء القائم من بين الأموات، وبالنسبة إلينا فإن ما يسمى موتًا ليس نهاية الطريق، بل هو بداية طريق جديدة نحو الملكوت.
سبت الراقدين يأتي عشية أحد العنصرة العظيم، وكأن الكنيسة تريدنا أن نستذكر، قبل العنصرة، الأحبة الراقدين على رجاء القيامة والحياة الأبدية. وقد أقمنا الصلاة اليوم في كنيسة جبل صهيون، حيث العلية والمكان المقدس الذي اجتمع فيه الرسل والتلاميذ وانسكبت عليهم نعمة الروح القدس في العنصرة العظيمة، ومن ثم انطلقوا كارزين ومبشرين بالإيمان المسيحي في مشارق الأرض ومغاربها.
العنصرة هي ميلاد الكنيسة، وهي بدء انطلاقة الرسل إلى كل مكان في هذا العالم، حيث أسسوا الكنائس تتميمًا للوصية الإلهية: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، معمدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس».
أرضنا هي أرض مقدسة ومباركة اختارها الله لكي تكون مكان تجلي محبته نحو البشر، أولئك الذين تجسد من أجلهم ومن أجل خلاصهم وانعتاقهم من الخطيئة.
فلسطين هي الأرض المقدسة التي تحتضن أهم المواقع الشريفة المرتبطة بانطلاقة الإيمان المسيحي وتأسيس الكنيسة الأولى.
الرب يسوع المسيح، من مهده إلى لحده، وما بعد قيامته وحتى صعوده إلى السماء، كان متجولًا في هذه الأرض وكارزًا بالمحبة ومناديًا بالرحمة والإنسانية.
كان يمشي من بلدة إلى بلدة ومن مكان إلى مكان، مؤكدًا بأن الإنسان يجب أن يكون متحليًا بإنسانيته وأن يكون خلوقًا، فالإيمان ليس شعارات، بل هو فعل وهو دستور لحياة المؤمنين جميعًا.
لم يترك العالم بعد صعوده إلى السماوات، بل أبقى لنا كنيسته التي نحتفي بتأسيسها في يوم العنصرة العظيم.
أبقى لنا الكنيسة، وهو حاضر فيها في كل أسرارها وصلواتها وليتورجياتها، وهو الذي قال: «عندما يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فانا أكون في وسطهم».
نحن المسيحيين الفلسطينيين في هذه الديار نفتخر بانتمائنا إلى الكنيسة الأولى، وهي الكنيسة الأم التي شُيدت في هذه الأرض المقدسة.
من هنا انطلقت رسالة الإيمان المسيحي إلى سائر أصقاع العالم، فنحن في هذه الأرض المقدسة، كما وفي هذا المشرق وكنائسه الرسولية العريقة، لم نستورد المسيحية من الغرب كما نستورد اليوم التقنيات والتكنولوجيات.
فقبل ألفي عام ونيف، من هنا انطلقت رسالة الإيمان المسيحي شرقًا وغربًا. إننا كمسيحيين فلسطينيين نفتخر بانتمائنا إلى الكنيسة الأولى وإلى الجماعة المسيحية الأولى، فالحضور المسيحي في هذه الأرض حضور عريق وله تاريخ مجيد.
المسيحيون في هذه الأرض المقدسة وفي هذا المشرق، وبالرغم من كل التحديات والصعوبات التي تعرضوا لها والتي بسببها تضاءلت أعدادهم، إنما هم متمسكون بقيم إيمانهم وعراقة وجودهم، وهم يرفضون أي خطاب إقصائي أو عنصري أيا كان شكله وأيا كان لونه وأيا كانت الجهة التي تروج له.
وفي العنصرة المجيدة، كما وفي كل أعيادنا ومناسباتنا المرتبطة بهذه الأرض المقدسة، نؤكد بأننا لسنا أقليات في أوطاننا ولسنا جاليات في مشرقنا، كما أننا لسنا ضيوفًا عند أحد، فهذه أرضنا وهذه مقدساتنا، وهذه هي البقعة المباركة من العالم و التي جذورنا عميقة في تربتها.
نرفض أن يصفنا أحد بأننا أقليات في أوطاننا، فنحن لسنا أقليات ونرفض أن يتم التعامل معنا كأقليات. وإن كنا قلة في عددنا، فالقلة لا تعني الأقلية، فنحن أصبحنا قلة في عددنا بسبب ما حل بشعبنا من نكبات ونكسات، وما حل بمشرقنا من حروب ومؤامرات على شعوبنا كلها، وهي مؤامرات تستهدف كافة مكونات هذه الأمة وهذا المشرق.
أكدنا دائمًا ونؤكد اليوم بأن ما نريده لشعبنا هو دولة مدنية ديمقراطية يُحترم فيها كل إنسان بغض النظر عن معتقده أو دينه أو مذهبه.
الدولة المدنية مسألة في غاية الأهمية، ليس فقط للفلسطينيين، بل لهذا المشرق كله، الذي يتعرض لتحديات جمة يعرفها الدارسون والخبراء والمختصون.
نحن مسيحيون فلسطينيون نجاهر بمسيحيتنا ونفتخر بانتمائنا إلى المسيحية الأولى، ونحن فلسطينيون ننتمي إلى شعب معذب ومكلوم يستحق أن يعيش حياة أفضل وأن ينعم بالحرية والكرامة والأمن والأمان والسلام.
نحن مسيحيون نفتخر بمسيحيتنا، ولكننا لسنا طائفيين ولسنا متطرفين ولسنا إقصائيين وكارهين للآخر، لأن هذا الآخر هو أخونا في الانتماء الإنساني بالدرجة الأولى وفي الانتماء الوطني أيضًا.
لسنا طائفيين وكارهين للآخر، لأن هذا لا ينسجم مع قيمنا الإيمانية والروحية، ومن يحرضون ويسيئون إلى الآخر باسم المسيحية فالمسيحية منهم براء.
كن مسيحيًا متمسكًا بإيمانك وقيمك، ولا تفكر بعقلية الطائفة والأقلية، ولا تسمح لأي جهة بأن تدخلك في أزمة هوية، فنحن لا نعيش أزمة هوية، بل الأزمة موجودة في عقول المحرضين والكارهين والطائفيين والتكفيريين.
مدينتنا مدينة مقدسة في الديانات التوحيدية الثلاث، وهي حاضنة لأهم المقدسات المسيحية والإسلامية. فهذه المدينة لها مكانتها الروحية السامية، ومن المفترض أن تكون مدينة للسلام والتلاقي، ولكنها، ويا للأسف، اليوم ليست كذلك في ظل ما يُمارس بحق الفلسطينيين في هذه الأرض المقدسة كلها.
ونحن في أحد العنصرة العظيم نلتفت إلى أهلنا في غزة ونصلي من أجلهم، ونلتفت إلى أهلنا في الضفة الغربية منادين بأن تزول كافة أسوار الفصل العنصري لكي يتمتع الفلسطينيون جميعًا بحرية الوصول إلى أماكنهم المقدسة وإلى أشغالهم وأعمالهم.
أن تكون مسيحيًا حقيقيًا، فهذا يعني أنك يجب أن تكون مع أخيك الإنسان في آلامه وأحزانه ومعاناته، حتى وإن اختلف عنك في دينه ومعتقده، فالإنسانية بالنسبة إلينا لا تتجزأ، فالإنسان هو إنسان خلقه الله على صورته ومثاله. ولا يمكننا كمسيحيين أن نغض الطرف عن معاناة شعبنا، بل يجب أن نكون صوتًا مناديًا بالعدالة ونصرة هذا الشعب المظلوم.
عندما ندافع عن شعبنا ونقف إلى جانب الإنسان الفلسطيني المعذب والمضطهد، إنما نقوم بواجب روحي وواجب رعوي وإنساني.
قضية شعبنا المظلوم لا يجوز اختزالها على أنها قضية سياسية فحسب، بل هي أيضًا شأن إنساني حرك كافة الأحرار في هذا العالم وهم يشاهدون نزيف الأطفال ومعاناة شعب حُكم عليه أن يعيش في ظل نكبات ونكسات مستمرة ومتواصلة.
غدًا وأمام القبر المقدس سوف تُقام صلاة السجدة، وسوف نجثو راكعين مصلين الصلاة الخاصة بالعنصرة المجيدة.
في هذا اليوم نصلي من أجل هذا العالم لكي يكون أكثر عدلًا وإنسانية، ونصلي من أجل أن تُلهم نعمة الروح القدس كافة الزعماء والرؤساء وأصحاب القرار في هذا العالم، لكي يكونوا قادة من أجل السلام والعدالة، وليس من أجل الحروب وتصفية الحسابات على حساب الشعوب الفقيرة والمقهورة والمظلومة.
نسألك يا رب أن تسكب نعمة روحك القدوس على كل قادة هذا العالم الذين يتحكمون بمصائر الشعوب، لكي يعملوا من أجل وقف الحروب في كل مكان، ولكي يعملوا من أجل تحقيق العدالة المغيبة في هذه الأرض المقدسة، لكي يعيش أبناء هذه الأرض معًا وسويًا بسلام وأخوّة.
الفلسطينيون يستحقون الحياة، ويستحقون الحرية، ويستحقون أن يعيشوا بأمن وأمان، فأنعم عليهم يا رب بأن يعيشوا أوقاتًا أفضل وأزمنة يسودها الخير والأمن و الحرية و الكرامة و الانسانية.
يا رب، أعطِ سلامًا لأرض تتوق إلى العدالة والسلام.
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 30 أيار 2026





