بقلم: م.محمد علي العايدي
ليس من السهل على أي فتحاوي أن يكتب كلمات قد تبدو قاسية بحق الحركة التي حملت راية الثورة، وقادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، وقدمت قوافل الشهداء والأسرى والجرحى. لكن الأصعب من النقد هو الصمت، لأن الصمت أمام الأخطاء قد يكون شريكًا في صنع الهزيمة.
اليوم، تقف حركة فتح أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها. فالحديث عن انتخابات تشريعية ورئاسية، سواء جرت في موعدها أو تأجلت، لا يجب أن يشغلنا بقدر ما يجب أن يشغلنا سؤال أكثر أهمية: هل فتح مستعدة فعلاً لهذا الاستحقاق؟
بصراحة… لا يبدو أن الصورة مطمئنة.
لقد مضى وقت طويل منذ انتهاء المؤتمر الحركي، وكان من المفترض أن تكون هذه الفترة فرصة لإعادة بناء البيت الفتحاوي، وتجديد مؤسساته، وضخ دماء جديدة في شرايين التنظيم، واستعادة ثقة الكادر والجمهور. لكن ما حدث، في نظر كثيرين من أبناء الحركة، كان أبطأ بكثير مما تفرضه تحديات المرحلة. وبينما كانت الأحداث تتسارع، كانت حركة التغيير داخل الحركه تسير بخطى السلحفاة.
إن الضفة الغربية تعيش اليوم ظروفًا غير مسبوقة، تتداخل فيها الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ويعيش المواطن حالة من القلق والإحباط وعدم اليقين. وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي أن نستحضر أمجاد الماضي، لأن الجماهير تريد من يقنعها بأنه قادر على إدارة الحاضر وصناعة المستقبل.
والأخطر من ذلك كله، أن حالة التشرذم داخل البيت الفتحاوي لم تُحسم بعد. فكلما اقترب الحديث عن الانتخابات، عاد شبح تعدد القوائم، وبرزت شخصيات فتحاوية اختارت خوض غمار المنافسة خارج الإطار التنظيمي. قد تختلف الأسباب، لكن النتيجة واحدة: تشتيت الصوت الفتحاوي، وإضعاف قدرة الحركة على المنافسة، ومنح خصومها فرصة لم يكونوا ليحصلوا عليها لو كان البيت موحدًا.
إن الرهان على اسم “فتح” وحده لم يعد كافيًا. فالجماهير تحترم التاريخ، لكنها تمنح ثقتها لمن يملك رؤية، ومؤسسات فاعلة، وتنظيمًا حيًا، وقيادة قادرة على الاستماع قبل إصدار القرارات.
إن ما تحتاجه الحركة اليوم ليس بيانات تطمينية، ولا خطابات احتفالية، بل مراجعة شجاعة لا تستثني أحدًا. مراجعة تعيد الاعتبار للمؤسسات، وتكرس الشراكة، وتفتح المجال أمام الشباب، وتحترم الكفاءات، وتنهي ثقافة الإقصاء، لأن الفصيل الذي يغلق أبوابه أمام أبنائه، يفتحها تلقائيًا أمام الانقسام.
لقد آن الأوان لأن تدرك القيادة أن قوة فتح لم تكن يومًا في أفرادها مهما علت مواقعهم، بل في وحدتها، وفي قدرتها على احتضان الجميع تحت راية واحدة. وكل يوم يمر دون معالجة حقيقية للقضايا الداخلية، هو يوم يُستنزف من رصيد الحركة الشعبي والتنظيمي.
إن الخوف على فتح ليس تشاؤمًا، بل مسؤولية وطنية وتنظيمية. فمن يخشى على الحركة، إنما يخشى على المشروع الوطني الفلسطيني كله، لأن فتح لم تكن يومًا مجرد تنظيم سياسي، بل كانت ولا تزال ركيزة أساسية في مسيرة الشعب الفلسطيني.
ولهذا، فإن الرسالة إلى قيادة الحركة واضحة: لا تؤجلوا حل القضايا التي يعرفها الجميع ، ولا تراهنوا على عامل الزمن، ولا تظنوا أن التاريخ وحده يكفي لتحقيق الانتصار. فالتاريخ يمنح الشرعية، لكنه لا يضمن الفوز، والوحدة لا تُصنع بالتصريحات، بل بالقرارات الشجاعة، والاحترام المتبادل، والعمل الميداني الحقيقي.
ما زالت الفرصة قائمة… لكنها تضيق.
فإما أن تستعيد فتح روحها التي صنعت الثورة، وتدخل أي انتخابات موحدة، قوية، واثقة بنفسها، وإما أن يستمر استنزافها من الداخل، وحينها لن يكون السؤال: من ربح الانتخابات؟ بل كيف سمحنا لأنفسنا أن نخسر ما بناه الشهداء بدمائهم؟
إن فتح أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأغلى من أي حسابات ضيقة. ومن يحبها حقًا، لا يطلب لها إلا أن تعود كما عرفها شعبها: حركة المبادرة،
وحركة الوحدة، وحركة الانتصار