عمران الخطيب
لم يكن اتفاق أوسلو مجرد اتفاق سياسي عابر في تاريخ الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، بل شكّل محطة مفصلية أعادت رسم المشهد السياسي الفلسطيني والعربي، وفتحت الباب أمام مسار طويل من المفاوضات والتسويات، سرعان ما تحوّل إلى واقع سياسي جديد، استفادت منه “إسرائيل” في تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان، بينما بقيت الدولة الفلسطينية الموعودة مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
وعلى مدى العقود الماضية، تعددت القراءات الفلسطينية لاتفاق أوسلو، بين من اعتبره خطوة سياسية اضطرارية في ظل الظروف التي كانت تمر بها منظمة التحرير الفلسطينية، ومن رأى فيه اتفاقًا لم يحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وعند النظر إلى الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية من الاتفاق، نجد أنها لم تكن قائمة على الاعتراف الفعلي بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، وإنما انصبت بصورة أساسية على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، بما يسمح بإقامة علاقة تفاوضية معها وتوقيع اتفاق اعتراف متبادل.
في المقابل، لم يتضمن اتفاق أوسلو اعترافًا صريحًا بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ولم يحسم القضايا الجوهرية للصراع، بل جرى تأجيلها إلى مفاوضات الحل النهائي، وفي مقدمتها قضية القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات والأمن.
وكان من المفترض أن تنتهي المرحلة الانتقالية خلال خمس سنوات، تمهيدًا للوصول إلى اتفاق الحل النهائي. إلا أن السنوات الخمس تحولت إلى عقود، وبقي الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، فيما واصلت إسرائيل مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، الأمر الذي جعل المرحلة الانتقالية واقعًا دائمًا بدل أن تكون جسرًا نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ بقيت العديد من الملفات عالقة، ومن بينها قضية الأسرى الفلسطينيين، في ظل عدم تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالإفراج عن جميع الدفعات المتفق عليها من الأسرى المعتقلين قبل توقيع اتفاق أوسلو.
عرفات.. قراءة مختلفة لأوسلو
كان الرئيس الراحل ياسر عرفات يدرك، وفق هذه القراءة، أن اتفاق أوسلو لا يمثل نهاية الصراع، وإنما يمكن أن يشكل موطئ قدم للعودة إلى الأرض ونقل مركز الصراع من الشتات إلى داخل فلسطين المحتلة.
وقد أدرك عرفات أن الطريق إلى إقامة الدولة الفلسطينية لن يكون سهلًا، وأن” إسرائيل” باعتبارها قوة احتلال، لن تقدم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على طبق من المفاوضات.
لكن الإشكالية ظهرت لاحقًا عندما تعاملت قطاعات من القيادة الفلسطينية مع أوسلو باعتباره نهاية للصراع وبداية لمرحلة جديدة عنوانها السلطة الفلسطينية ومؤسساتها ومكتسباتها، بدل أن يكون وسيلة مؤقتة لتحقيق الهدف الوطني المتمثل في إنهاء الاحتلال وتجسيد الاستقلال الوطني.
ومع مرور الوقت، تحولت السلطة من أداة انتقالية يفترض أن تقود إلى الاستقلال إلى واقع سياسي وأمني واقتصادي مرتبط بدرجات مختلفة “بإسرائيل”، بينما تراجع الهدف الأساسي المتمثل في إنهاء الاحتلال.
ثلاثة عقود من التنازلات
منذ توقيع اتفاق أوسلو، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة شديدة التعقيد، ترافقت مع سلسلة من التنازلات السياسية، في حين ظل الرد الرسمي الفلسطيني، في كثير من المحطات، محصورًا في بيانات الشجب والتنديد والاستنكار، وهي مواقف لم تتمكن من وقف الاستيطان أو حماية الأراضي الفلسطينية أو تغيير الواقع الذي تفرضه إسرائيل على الأرض.
وفي عام 2015، اتخذ المجلس المركزي الفلسطيني قرارًا بوقف التعامل مع اتفاق أوسلو والتزاماته، إلا أن قرارات مشابهة تكررت في دورات لاحقة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.
وهنا تبرز مسؤولية القيادة الفلسطينية، بمختلف مكوناتها، في مراجعة المسار السياسي الذي أُقيم على أساس أوسلو، بدل الاستمرار في إدارة الأزمة من دون معالجة جذورها.
“إسرائيل” تجاوزت أوسلو.. والفلسطينيون ما زالوا أسرى الاتفاق
في المقابل، تبدو “إسرائيل” اليوم أكثر تحررًا من القيود السياسية التي فرضها اتفاق أوسلو، بينما ما زال الجانب الفلسطيني يتحمل تبعاته السياسية والاقتصادية والأمنية.
فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما حكومة بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني الحاكم، واصلت توسيع الاستيطان، وتعزيز السيطرة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتشديد الإجراءات في القدس، إلى جانب طرح مشاريع وخطط لضم أجزاء من الضفة الغربية.
كما تتواصل الاعتداءات والاعتقالات بحق الفلسطينيين، إلى جانب اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، في ظل واقع اقتصادي فلسطيني شديد الصعوبة، يتفاقم مع استمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو السلطة الفلسطينية أمام أزمة وجودية حقيقية، في وقت تتآكل فيه مقومات قدرتها على الاستمرار، بينما يتوسع الاحتلال على الأرض وتتراجع فرص الحل السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
المطلوب.. إنقاذ وطني فلسطيني
وبمناسبة مرور 32 عامًا على اتفاق أوسلو، فإن المطلوب ليس مجرد استعادة النقاش حول الاتفاق، ولا إصدار بيانات جديدة تندد بما آلت إليه الأمور، وإنما إجراء مراجعة وطنية شاملة للمسار السياسي الفلسطيني منذ توقيع أوسلو وحتى اليوم.
إن التحديات الراهنة، وفي مقدمتها تداعيات الحرب والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، والاستيطان، ومخاطر ضم الضفة الغربية، تتطلب إعادة ترتيب الأولويات الوطنية الفلسطينية على أساس حماية المشروع الوطني وإنهاء الاحتلال، وليس إدارة الانقسام أو استمرار الوضع الانتقالي إلى ما لا نهاية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنقاذ وطني فلسطيني شامل، يبدأ بإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها، وتجديد بنيتها السياسية، واستعادة دورها بوصفها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، لم يعد مقبولًا أن تبقى القضية الفلسطينية رهينة اتفاق انتقالي لم يتحول إلى حل نهائي، وأن يستمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تكتفي القيادة الفلسطينية بإدارة تداعيات الأزمة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب قرارًا فلسطينيًا موحدًا، وإرادة سياسية قادرة على مواجهة التحديات، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، وصولًا إلى استراتيجية فلسطينية جديدة تحمي الحقوق الوطنية وتضع إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية في مقدمة أهدافها.
عمران الخطيب