السياسي – في وقت لم يهدأ فيه صدى التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، بدأت ملامح اتفاق محتمل بين الطرفين تثير عاصفة من الانتقادات داخل الأوساط المحافظة الأمريكية المؤيدة لتشديد الضغوط على إيران. فمع حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانية توقيع الاتفاق خلال عطلة نهاية الأسبوع، سارع صقور السياسة الخارجية إلى التحذير من أن أي تنازلات قد تؤدي إلى تبديد أوراق الضغط التي تمتلكها الولايات المتحدة.
ويأتي هذا الجدل في ظل تسريبات متضاربة بشأن بنود الاتفاق، دفعت شخصيات بارزة مقربة من ترامب، مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والإعلامي مارك ليفين، والكاتب مارك تيسن، إلى المطالبة بكشف تفاصيل أوضح حول التفاهمات المطروحة. وكان ترامب قد نفى تقارير إعلامية إيرانية تحدثت عن مذكرة تفاهم من 14 بنداً، واصفاً بعض ما ورد فيها بأنه غير صحيح.
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الغموض في مصير البرنامج النووي الإيراني. فقد قال مسؤول أمريكي رفيع إن الاتفاق ينصّ على التخلص من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، مع التزام طويل الأمد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي. إلا أن إيران كانت قد قدّمت تعهداً مشابهاً في الاتفاق النووي المبرم عام 2015، والذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى.
ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بالخطوات العملية التي ستلتزم بها طهران. ففي حين اعتبر ترامب سابقاً أن تسليم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة تسمح بصنع أسلحة نووية يمثل شرطاً أساسياً لأي اتفاق، رفضت طهران حتى الآن هذا الطرح. ومن بين الحلول المطروحة تخفيف نسبة التخصيب داخل إيران بحيث يصبح اليورانيوم غير صالح للاستخدام العسكري. لكن تصريحات ترامب الأخيرة فتحت الباب أمام احتمال القبول ببقاء هذه المواد في منشآت تحت الأرض، إذ قال إن “لا أحد يستطيع الوصول إليها لأنها مدفونة تحت جبل”، وفقا لصحيفة “ذا هيل” القريبة من الكونغرس.
وفي الملف الاقتصادي، تبدو الرسائل الأمريكية متناقضة بشأن تخفيف العقوبات. فقد أكد مسؤولون أمريكيون أن إيران لن تحصل على أموال مجمّدة أو إعفاءات مالية قبل تنفيذ التزامات محددة. إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عن احتمال تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية لمدة 60 يوماً، في إطار استمرار المفاوضات.
ويرى منتقدو الاتفاق أن هذه الخطوة قد تمنح إيران متنفساً اقتصادياً مهماً، في وقت تواجه فيه ضغوطاً كبيرة على قطاع الطاقة نتيجة القيود الأمريكية المفروضة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. كما حذّر بعضهم من أن إعادة فرض العقوبات بعد انتهاء المهلة ستكون أكثر صعوبة، ما قد يؤدي إلى تقليص النفوذ التفاوضي الأمريكي.
في المقابل، تداولت وسائل إعلام إيرانية معلومات تفيد بأن الاتفاق قد يتضمّن تخصيص 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، إلى جانب تحويل نقدي فوري بقيمة 24 مليار دولار. غير أن ترامب نفى صحة هذه التقارير، من دون أن يحدد الأجزاء التي اعتبرها غير دقيقة.
وبحسب ما ورد في التقرير، يُنظر إلى إعادة فتح مضيق هرمز باعتبارها أحد أبرز أهداف الاتفاق المحتمل، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية للممر الذي تمرّ عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية. وتشير التقارير إلى أن طهران قد توافق على إعادة فتح المضيق بالكامل خلال ثلاثين يوماً ومن دون فرض رسوم، مقابل رفع الحصار الأمريكي المفروض على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.
ورغم ذلك، تؤكد تقارير إيرانية أن طهران لن تتخلى عن سلطتها القانونية على المضيق. وقد أثبتت الأشهر الأخيرة قدرة إيران على التأثير في الأسواق العالمية من خلال تعطيل الملاحة وإرباك إمدادات الطاقة، الأمر الذي زاد الضغوط الداخلية على ترامب في ظل ارتفاع أسعار الوقود ومعدلات التضخم في الولايات المتحدة.
وبشأن موعد توقيع الاتفاق، قال ترامب إن ذلك قد يحدث خلال عطلة نهاية الأسبوع في أوروبا، موضحاً أنه لن يحضر شخصياً، بل سيرسل نائب الرئيس جيه. دي فانس. كما أشاد بالدور الذي لعبه مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر في دفع المفاوضات إلى الأمام.
وفي حين أطلقت وسائل إعلام إيرانية على الاتفاق المحتمل اسم “إعلان إسلام أباد”، في إشارة إلى الدور الباكستاني في الوساطة، أفادت تقارير بأن مدينة جنيف تُطرح كموقع محتمل لمراسم التوقيع، خاصة مع وجود ترامب ووفد أمريكي في المنطقة لحضور قمّة مجموعة السبع في فرنسا الأسبوع المقبل.
لكن الأجواء الإيجابية التي يحاول ترامب إظهارها لم تمنع استمرار التوترات العسكرية. فقد أعلن مسؤول دفاعي أمريكي أن القوات الأمريكية أسقطت، مساء الخميس، طائرتين إيرانيتين مسيّرتين كانتا تستهدفان سفناً في مضيق هرمز.
وعاد ترامب، الجمعة، لانتقاد إيران عبر منصته “تروث سوشيال”، متهماً إياها بعدم التفاوض بحسن نية، ومندداً بما وصفه بـ”الهجوم غير المقبول” على سفن هندية كانت تغادر المضيق. وكتب أن على طهران “أن تضبط تصرفاتها وبسرعة”.
وكان الرئيس الأمريكي قد هدد، الخميس، بتوجيه ضربات إضافية ضد جزيرة خرج ومنشآت النفط الإيرانية، قبل أن يتراجع عن هذه التصريحات لاحقاً، قائلاً إن البلدين باتا قريبين من التوصل إلى اتفاق سلام.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الضربات المتبادلة خلال الأسبوع الجاري، بدأت عقب إسقاط مروحية أمريكية من طراز “أباتشي”. كما أعلن “الحرس الثوري” الإيراني استهداف قواعد عسكرية أمريكية في الأردن والكويت والبحرين، رداً على الهجمات الأمريكية الأخيرة.
وبين مؤشرات الانفراج الدبلوماسي واستمرار المواجهات العسكرية، يبدو أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران سيواجه اختباراً صعباً، ليس فقط على طاولة المفاوضات، بل أيضاً داخل الولايات المتحدة، حيث تتزايد الانقسامات بشأن حدود التسوية المقبولة مع إيران.








