من أجل معرفة بنية تاريخنا العربي معرفةً سليمة، علينا أن ندرك طبيعة العلاقة بين التاريخ وفلسفة التاريخ. وهو سؤال مهم ما زال يؤرق الكثيرين؛ فعلماء التاريخ يرفضون، في الغالب، أي فلسفة تُفرض على التاريخ من الخارج وتدّعي امتلاك قوانينه المطلقة، في حين يبحث فلاسفة التاريخ، بجدٍّ واهتمام دائمين، عن القوانين الكلية والعامة التي تخضع لها حركة التاريخ الإنساني في صيرورته وسيرورته عبر العصور وفي مختلف البلدان.
وعندما نتحدث عن فلسفة التاريخ، فإن المقصود هو تاريخ الإنسان العاقل، ذلك الكائن الواعي الذي يمتلك القدرة على التفكير والتأمل وإنتاج المعنى بين موجودات هذا الكون الواسع. ومن هنا نسعى إلى معرفة الفرق بين المؤرخ والفيلسوف؛ لأن الحقيقة، في نظر الفيلسوف، ليست الماضي في حد ذاته كما هي الحال عند المؤرخ، وليست مجرد التفكير في هذا الماضي بمعزل عن موضوع التفكير كما هو الشأن عند علماء النفس، وإنما هي الاثنين معاً في إطار علاقتهما المتبادلة.
والمقصود هنا أن التفكير في علاقته بموضوعه لا يُعد من قبيل التفكير المجرّد، بل يُعد من قبيل المعرفة أو الإبستمولوجيا. وهذا يعني أن ما يُطلق عليه، من وجهة نظر علم النفس، نظرية في التفكير المجرّد أو نظرية في الصور الذهنية بمعزل عن الأشياء المادية الملموسة، يصبح من وجهة نظر الفيلسوف نظرية في المعرفة؛ أي نظرية إبستمولوجية.
فعندما يسأل عالم النفس نفسه: كيف يفكر المؤرخون؟ يسأل الفيلسوف نفسه: ما الطريق الذي يسلكه المؤرخون إلى المعرفة؟ وكيف يصلون إلى معرفة الماضي؟ وعلى العكس من ذلك، فإن مهمة المؤرخ تتمثل في إدراك الماضي وفهمه بوصفه موضوعاً قائماً بذاته.
وانطلاقاً من ذلك يمكن القول إن لمصطلح «فلسفة التاريخ» ثلاثة معانٍ أساسية:
أولها أن فلسفة التاريخ تهتم بالقوى الأساسية المحركة للتاريخ، وتسعى إلى تقديم تفسير موضوعي للأحداث التي جرت في الماضي وانتهت عند مرحلة معينة.
أما المعنى الثاني، فيتمثل في أنها تصف النظرة العامة التي يأتي بها المؤرخ إلى الوقائع التاريخية، متضمنةً النظريات الخاصة بتعليل الحوادث ومفاهيم التطور والتقدم وغيرها.
أما المعنى الثالث، فهو قريب من مفهوم المنهج التاريخي، أي العملية الفعلية التي يسلكها المؤرخ في بحثه وتحليله واستنتاجاته.
وعلى الرغم من حاجة كل مؤرخ إلى قدر من التفكير الفلسفي، فإن الذين قدموا أنفسهم بوصفهم فلاسفة للتاريخ لم يكونوا، في معظم الأحيان، مؤرخين بالمعنى التقليدي. ومن أشهر المؤرخين الذين أثروا المكتبة العربية والإسلامية: محمد بن جرير الطبري، وابن كثير الدمشقي، وابن الأثير الجزري، وعبد الرحمن الجبرتي وغيرهم. وقد كانوا مؤرخين كباراً، لكن أحداً منهم لم يدّع أنه يضع فلسفة شاملة للتاريخ أو قوانين كلية تحكم مساره.
ويظل عبد الرحمن بن خلدون الشخصية الأبرز في هذا المجال؛ إذ يُعد الأب المؤسس لفلسفة التاريخ وعلم العمران البشري. فقد حاول أن يكشف القوانين التي تحكم نشوء الدول وازدهارها وانهيارها، وأن يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية تفسيراً عقلياً قائماً على الملاحظة والاستقراء.
ومع ذلك، يؤخذ على ابن خلدون أن بعض القواعد التي وضعها في مقدمته الشهيرة لم تنطبق دائماً على كتاباته التاريخية نفسها. ويمكن تفسير ذلك بأنه ألّف مقدمته في مرحلة متأخرة من حياته، بعد أن أنجز معظم مؤلفاته التاريخية. ولذلك نجد المؤرخين كثراً، بينما يظل فلاسفة التاريخ قلة.
ويُعد ابن خلدون كذلك مؤسس علم الاجتماع، وأول من وضع له أسساً علمية واضحة، من خلال نظرياته حول العمران والعصبية وبناء الدولة وأطوارها. وقد سبقت آراؤه بكثير ما توصل إليه عدد من كبار المفكرين الأوروبيين بعده بقرون، ومنهم العالم الفرنسي أوغست كونت.
وقد أحصى الباحثون لابن خلدون عدداً من المؤلفات المهمة في التاريخ والحساب والمنطق، غير أن أشهرها بلا شك كتابه العظيم: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، الذي تتصدره مقدمته الشهيرة المعروفة بـ«مقدمة ابن خلدون».
وإذا نظرنا إلى الحقب التاريخية المختلفة، فإن المؤرخ والباحث الحصيف يلاحظان أن الأحداث متداخلة ومترابطة، يتولد بعضها من بعض، وتتوارث آثارها الأجيال والقرون. وما تقسيم التاريخ إلى عصور وحقب إلا وسيلة منهجية لتسهيل عمل الباحثين والمتخصصين ومساعدة القراء على متابعة مسار الأحداث.
ولا شك أن العصور التاريخية شهدت أحداثاً كبرى غيّرت مجرى الإنسانية، وفي مقدمتها الرسالات السماوية التوحيدية التي تركت أثراً عميقاً في مسار الحضارات والشعوب.
وقد حرص عدد من المؤرخين العرب المعاصرين على قراءة التاريخ قراءة عقلانية ونقدية، ومن بينهم: عزيز سوريال عطية، وعبد الرحمن الرافعي، ورؤوف عباس حامد وغيرهم ممن قدّموا دراسات رصينة أسهمت في فهم التاريخ العربي والإسلامي فهماً أكثر عمقاً وموضوعية.
غير أن القرن العشرين يظل قرناً استثنائياً في كثافة أحداثه وتحولاته. فقد شهد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهما من أكبر الصراعات العسكرية في تاريخ البشرية، إذ شاركت فيهما دول من مختلف القارات، وخلّفتا عشرات الملايين من الضحايا، وأعادتا رسم الخريطة السياسية للعالم.
كما شهد القرن العشرين انفجار عدد من الأيديولوجيات الكبرى والمتعارضة؛ فظهرت الشيوعية بعد الثورة البلشفية عام 1917 في روسيا، وصعدت النازية في ألمانيا بقيادة أدولف هتلر، والفاشية في إيطاليا بقيادة بينيتو موسوليني، والفرانكوية في إسبانيا بقيادة فرانسيسكو فرانكو.
وبعد الحرب العالمية الثانية، برز المشروع الصهيوني على أرض فلسطين بإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، بينما شهد النصف الثاني من القرن العشرين الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وصعود حركة طالبان في أفغانستان خلال تسعينيات القرن الماضي.
وعلى الرغم من انتهاء القرن العشرين، فإن آثار تلك التحولات ما تزال ممتدة إلى يومنا هذا. فبعض الأيديولوجيات تراجع أو انهار، مثل الشيوعية السوفييتية والنازية والفاشية، بينما ظهرت أنماط جديدة من الحركات السياسية والثورات الملونة، مثل ثورة الورد في جورجيا، والثورة البرتقالية في أوكرانيا، وثورة الأرز في لبنان، وغيرها.
أما القرن الحادي والعشرون، فما يزال يشهد صراعات دولية متشابكة بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. وما زال المؤرخون والباحثون يوثقون هذه التحولات الكبرى ويحللون آثارها في حاضر الإنسانية ومستقبلها.
وهكذا يظل التاريخ مادةً للبحث والتحليل، بينما تبقى فلسفة التاريخ محاولة لفهم المعنى الكامن وراء الوقائع، والكشف عن القوانين والاتجاهات التي تحكم حركة المجتمعات والدول عبر الزمن.








