الإقصاء: حين تتحوّل الذات إلى سجنٍ وتصبح شيطنةُ الآخر عقيدةً:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

 

ليس الإقصاء حادثةً عابرةً في التاريخ الإنساني، ولا مجرد موقف نفسي أو سياسي ينشأ من نزاع المصالح وتباين الرؤى، بل هو بنية فكرية عميقة تنطوي على تصور خاص للإنسان والعالم والحقيقة. إنه اللحظة التي تتوهم فيها جماعة أو أمة أو عقيدة أنها بلغت نهاية المعرفة، وأنها أصبحت المقياس المطلق الذي تُوزن به الأفكار والأشخاص والثقافات. ومن هنا يبدأ الانحراف الكبير؛ إذ يتحول الاختلاف من كونه ظاهرة طبيعية إلى تهمة، ويتحوّل التنوع من كونه مصدر ثراء إلى مصدر تهديد، ويصبح الآخر مشروع خصومة قبل أن يكون شريكاً في الوجود.
إن الإقصاء في جوهره ليس رفضاً للآخر فحسب، بل رفضٌ لفكرة التعدد ذاتها. فالوعي الإقصائي لا يخشى الآخر لأنه قوي أو مختلف فقط، بل لأنه يكشف حدود يقينه، ويضعه أمام احتمال أن الحقيقة أوسع من تصوره الضيق. ولهذا فإن أول ما يفعله العقل المنغلق هو بناء أسوار رمزية حول ذاته، ثم تحويل تلك الأسوار إلى حدود أخلاقية ومعرفية تفصل بين «النحن» و«الهم»، بين من يملكون الحقيقة ومن يُحرمون منها، بين من يُمنحون صفة الإنسانية الكاملة ومن يُدفعون إلى هامش الوجود.
ومن هذه اللحظة تبدأ عملية شيطنة الآخر. فالإنسان لا يستطيع أن يمارس الظلم وهو يرى ضحيته إنساناً كاملاً يشبهه في الأحلام والآلام والحقوق. لذلك كان لا بد عبر التاريخ من اختراع سرديات تُفرغ الآخر من إنسانيته أولاً. إن القتل الجماعي لا يبدأ بالسلاح، بل بالكلمة؛ ولا يبدأ بالمجزرة، بل بالفكرة. يبدأ حين يُقال إن الآخر أقل قيمة، أو أقل عقلاً، أو أقل استحقاقاً للكرامة، أو إنه يشكل خطراً وجودياً يجب التخلص منه. عندها يصبح العنف ممكناً، لأن الضمير يكون قد أُعفي من مسؤوليته الأخلاقية.
ولهذا فإن أخطر ما في الإقصاء أنه لا يكتفي بإلغاء الإنسان خارج الذات، بل يعيد تشكيل الذات نفسها وفق منطق العداء الدائم. فالجماعات الإقصائية لا تستطيع أن تعيش دون خصم، لأنها تستمد تماسكها الداخلي من وجود عدو خارجي. إنها تحتاج دائماً إلى «آخر» تتهمه وتخافه وتحمّله أسباب أزماتها. وحين يغيب هذا الآخر، تسارع إلى صناعته. ولذلك فإن تاريخ التعصب يكشف أن الكراهية ليست نتيجة وجود العدو بقدر ما هي حاجة نفسية وفكرية لدى العقل المنغلق الذي لا يستطيع تعريف نفسه إلا من خلال نفي غيره.
ولعل الأيديولوجيات الدوغمائية تمثل التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا النمط من التفكير. فهي لا ترى الحقيقة باعتبارها أفقاً مفتوحاً للبحث والتأويل، بل تعتبرها ملكية خاصة لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلتها. ومن هنا تنشأ أوهام العصمة الفكرية التي تجعل الحوار ضرباً من العبث، لأن من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة لا يبحث عن الفهم، بل عن الإذعان. إنه لا يناقش الآخر ليكتشف معه أبعاد الحقيقة، وإنما ليُخضعه لمنطقه الخاص.
وهكذا تتحول الثقافة إلى أداة تبرير، والدين إلى وسيلة احتكار، والسياسة إلى جهاز إقصاء، والمعرفة إلى سلطة. ويصبح السؤال جريمة، والنقد خيانة، والاختلاف تهديداً وجودياً. عند هذه النقطة يفقد الفكر رسالته التحررية ويتحول إلى عقيدة مغلقة لا تنتج سوى النسخ المتشابهة والخطابات المكرورة.
لقد شهد القرن العشرون ذروة هذا الجنون الإقصائي. فالنازية لم تبدأ بمعسكرات الإبادة، وإنما بدأت بنظرية التفوق العرقي. والفاشية لم تبدأ بالدبابات، وإنما بدأت بفكرة الأمة المختارة التي ترى في الآخرين مجرد كائنات أدنى. والاستعمار لم يكن مجرد احتلال للأرض، بل كان في جوهره مشروعاً معرفياً وأخلاقياً يقوم على نفي أهل الأرض من تاريخهم ومن حقهم في تقرير مصيرهم. وفي كل هذه التجارب كانت شيطنة الآخر هي المقدمة النظرية التي سبقت الكارثة الإنسانية.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن العقل الإقصائي، وهو يحاول حماية ذاته، ينتهي إلى تدميرها. فالذات التي ترفض الحوار تفقد قدرتها على التطور، والوعي الذي يخشى الاختلاف يفقد قدرته على النقد، والثقافة التي تغلق أبوابها أمام الآخرين تتحول تدريجياً إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج أوهامها حتى تستهلك نفسها بنفسها. ولذلك لم تسقط المشاريع الشمولية لأنها واجهت مقاومة خارجية فقط، بل لأنها كانت تحمل بذور انهيارها في داخلها. فقد ظنت أنها قادرة على إلغاء التنوع، بينما التنوع هو أحد القوانين الأساسية للوجود.
ومن منظور فلسفة الحوار، لا تكتمل الذات إلا عبر الاعتراف بالآخر. فالإنسان لا يعرف نفسه في العزلة، وإنما يكتشفها في اللقاء. إن «الأنا» ليست كياناً مكتفياً بذاته، بل هي مشروع مفتوح يتشكل باستمرار من خلال العلاقة مع «الأنت». وكلما اتسعت دائرة الاعتراف بالآخر اتسعت معها آفاق الحرية والمعرفة. أما حين تُختزل الذات في صورتها الخاصة فإنها تتحول إلى مرآة لا ترى إلا انعكاسها، فتفقد القدرة على التعلم والنمو.
إن الاعتراف بالآخر ليس تنازلاً أخلاقياً ولا مجاملة حضارية، بل هو شرط وجودي لنضج الإنسان. فمن خلال الاختلاف ندرك حدودنا، ومن خلال الحوار نكتشف جوانب قصورنا، ومن خلال التفاعل مع الآخرين تتسع آفاق الحقيقة. لذلك فإن الحضارات العظيمة لم تزدهر بالانغلاق، بل بالترجمة والتلاقح والتبادل والتفاعل الخلاق بين الثقافات والشعوب.
وإذا كان الإقصاء هو البوابة الأولى إلى شيطنة الآخر، فإن الاعتراف هو البوابة الأولى إلى إنسانية الإنسان. فالإنسانية لا تبدأ عندما نتشابه، بل عندما نعترف بحقنا في الاختلاف. وهي لا تنمو في ظل الصوت الواحد، بل في رحاب التعدد الذي يجعل من التنوع قوةً لا تهديداً، ومن الحوار جسراً لا ساحة حرب.
إن الحضارة الحقة لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة، بل بما تملكه من قدرة على استيعاب المختلف وحماية حقه في الوجود والتعبير. فالقوة قد تبني إمبراطورية، لكنها لا تبني إنساناً. أما الاعتراف المتبادل، فإنه يبني الضمير الذي يجعل من التعايش ممكناً ومن العدالة قيمةً حية لا شعاراً سياسياً عابراً.
ولهذا فإن مقاومة الإقصاء ليست دفاعاً عن فئة أو جماعة بعينها، بل هي دفاع عن الفكرة الأسمى التي قام عليها الوجود الإنساني: أن البشر، على اختلاف لغاتهم وأعراقهم ومعتقداتهم وتجاربهم، شركاء في الكرامة الإنسانية. وحين ندرك هذه الحقيقة ندرك أن أخطر أشكال العنف ليست تلك التي تقتل الجسد، بل تلك التي تقتل الاعتراف، لأن سقوط الاعتراف هو البداية الفعلية لسقوط القيم، وسقوط القيم هو المقدمة الصامتة لكل خرابٍ يصيب الروح والعمران والتاريخ.