لا يبدو أنّ ما نعانيه في العالم العربي من توتّر دائم، وقلقٍ كامن، وصراع محتدم على كلّ شيء، هو عارضٌ طارئ أو حدثٌ مفاجئ. إنّه بالأحرى نتيجة طبيعية لتراكمات تاريخية ونفسية واجتماعية لم تجد لها متنفسًا عقلانيًا أو تفريغًا صحيًّا. ففائض التوتّر الذي يغمر تفاصيل الحياة، من أبسط العلاقات الإنسانية إلى أعلى مستويات التخطيط السياسي، ليس سوى تعبير عن خزان هائل من المكبوتات، وعن شعور جماعي بالعجز والخذلان والهشاشة، تحوّل مع الزمن إلى رغبة عارمة في الاستحواذ والاحتكار، لا على الأشياء فحسب، بل على المعاني والقيم والمواقع والمصائر.
وما من نشاطٍ جسدي أو ذهني إلا وطاله هذا التوتر، حتى بات الفعل الثقافي والاجتماعي خاضعًا لرقابة داخلية صامتة تملي على الفرد والجماعة نمطًا من الأداء لا يعترف بالتعدد، ولا يقبل بالشراكة، بل يسعى إلى مصادرة الآخر وإلغائه تحت أقنعة متعددة، من التقاليد إلى الوطنية الزائفة، ومن الدفاع عن الهويّة إلى احتكار النطق باسمها.
إنّ أيّ باحثٍ في الشأن العربي لا يمكنه أن يتعامل مع هذه الظواهر انطلاقًا من لحظتها الراهنة، وكأنّها نشأت من فراغ. فلا يمكن البدء من “آخر السطر”، كما يقال، بل ينبغي الحفر في الجذور، والعودة إلى مكامن التكوين الأول، حيث تنامت عوامل التشوّه العميقة، وتراكبت الرواسب الكامنة في البنية النفسية والثقافية والسياسية.
فالواقع العربي الراهن ليس مجرد حصيلة لتدافع مصالح داخلية، بل هو أيضًا انعكاس لاستراتيجيات خارجية تسعى إلى التفكيك والتطييف والبلقنة، مستفيدة من هشاشة الداخل، ومستثمرة في قابلية المجتمعات للتشظي، حيث تحوّلت بعض الأنشطة الثقافية والاجتماعية إلى أدوات مموّهة لتمرير أجنداتٍ خفيّة، وإعادة إنتاج أشكال السيطرة بلبوس جديد.
في المحصّلة، فإنّ ما نشهده من توترٍ مرضيّ ونزعة استحواذ خانقة ليس إلا تجليًا لاختناق حضاري، تحتاج المجتمعات العربية إلى الاعتراف به أولًا، لا إلى إنكاره، وإلى معالجته من جذوره، لا عبر ترقيعات سطحية. فالتغيير يبدأ من الداخل، من إعادة بناء الذات الجماعية على أسس التعدد والحوار والثقة، لا على منطق الشكّ والاستئثار والقهر المتبادل.