التاريخ بين التمجيد والمراجعة: كيف نقرأ الماضي بعينَي الحقيقة؟

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

ليس التاريخ كتاباً لتزجية الوقت، ولا معرضاً للبطولات المعلّقة على جدران الذاكرة، ولا سجلاً مقدّساً يُتلى بلا مساءلة أو مراجعة؛ بل هو المختبر الأكبر الذي تُختبر فيه الأمم، والمرآة التي تنعكس عليها حقيقة الحضارات في صعودها وهبوطها، وقوتها وضعفها، وانتصاراتها وإخفاقاتها. ومن هنا، فإن الأمة التي تُحسن قراءة تاريخها تمتلك مفاتيح مستقبلها، أما الأمة التي تُصرّ على قراءة الماضي بعين واحدة، فإنها تُطفئ بإرادتها نصف نور الحقيقة، وتُمهّد الطريق لتكرار المآسي نفسها، وإن تبدّلت الأسماء والوجوه والأزمنة.
إن من أخطر الآفات التي ابتُلي بها وعينا العربي والإسلامي تحويل التاريخ إلى خطاب تمجيدي يكتفي بترديد أمجاد الأسلاف، ويغضّ الطرف عن أسباب التراجع والانكسار. فبدلاً من أن يكون التاريخ مدرسةً للعقل، أصبح في كثير من الأحيان وسيلةً لتخدير الوعي، وبديلاً عن النقد، ومصدراً لوهم التفوق الذي لا يسنده واقع ولا ينهض به عمل.
ولعل المأساة الكبرى لا تكمن في وقوع الأخطاء؛ فذلك قدر البشر جميعاً، وإنما تكمن في تقديسها، أو إنكارها، أو إخفائها تحت عباءة الشعارات والعواطف. فالأمم العظيمة لا تُقاس بعدد انتصاراتها، وإنما بقدرتها على الاعتراف بهزائمها، وتشريح أسبابها، وتحويلها إلى خبرة تاريخية تمنع تكرارها.
لقد أثبت التاريخ أن الحضارات التي امتلكت شجاعة النقد الذاتي استطاعت أن تعيد بناء نفسها من بين الركام. ولم يكن ازدهار الأمم الأوروبية الحديثة، ولا نهضة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ولا صعود دولٍ كثيرة في آسيا، ثمرة صدفة تاريخية، وإنما نتيجة مراجعات فكرية عميقة، واجهت الذات قبل أن تُحمّل الآخرين مسؤولية الإخفاق. أما المجتمعات التي جعلت من المؤامرة تفسيراً وحيداً لكل تعثر، فقد بقيت حبيسة دائرة التبرير، عاجزةً عن صناعة التحول.
ومن هنا تتجلّى قيمة تلك العبارة الخالدة التي نُسبت إلى الأميرة الأندلسية عائشة الحرة، والدة آخر ملوك غرناطة، حين قالت لولدها وهو يبكي ضياع ملكه: «ابكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال.» لم تكن تلك الكلمات قسوةً أمومية، بقدر ما كانت درساً تاريخياً بالغ العمق؛ إذ رفضت أن تُعلّق أسباب السقوط على شماعة الآخرين، وأصرّت على تسمية الأشياء بأسمائها، لأن الحقيقة، مهما كانت مُرّة، تبقى أقل خطراً من الوهم الجميل.
إن هذه الكلمات تختصر فلسفة كاملة في فهم التاريخ؛ فالأمم التي تبحث دائماً عن مذنب خارجها تفقد القدرة على إصلاح ذاتها، بينما تبدأ النهضة الحقيقية لحظة يجرؤ المجتمع على مساءلة نفسه قبل مساءلة خصومه، وعلى مراجعة أخطائه قبل تعداد أخطاء الآخرين.
وليس المقصود من القراءة النقدية أن نهدم تاريخنا، أو أن نتنكّر لإنجازات حضارتنا، أو أن نجلد ذواتنا جلداً مرضياً؛ فذلك لون آخر من الانحراف لا يقل خطورة عن التمجيد الأعمى. إنما المطلوب هو التوازن؛ أن نرى النور والظل معاً، وأن ندرك أن العظمة لا تعني العصمة، وأن البطولة لا تُلغي الخطأ، وأن الحضارات، مهما بلغت من المجد، تبقى خاضعة لقوانين التاريخ وسنن العمران.
إن القراءة الموضوعية للتاريخ تقتضي أن ندرس أسباب ازدهار الحضارة العربية والإسلامية كما ندرس أسباب أفولها؛ أن نفهم كيف صنعت العلم يوم احتضنت العقل، وكيف تراجعت يوم ضاقت بحرية التفكير، وكيف انتصرت يوم توحّدت كلمتها، وكيف انهزمت يوم استبدّ بها الانقسام والتنازع. فالتاريخ ليس قصيدة مديح، ولا لائحة اتهام، بل سجلٌّ مفتوح للتأمل والفهم.
ومن المؤسف أن كثيراً من مناهج التعليم ما زالت تُقدّم التاريخ على هيئة رواية انتقائية تُبرز صفحات المجد، بينما تُهمل الصفحات التي ينبغي أن تكون مادةً للتفكير والتحليل. وهكذا ينشأ جيل يعرف أسماء القادة، لكنه يجهل أسباب سقوط الدول، ويحفظ تواريخ المعارك، لكنه لا يفهم قوانين العمران التي تحكم قيام الأمم وانهيارها.
إن الحضارة لا تُبنى على الذاكرة وحدها، بل على الوعي. والوعي لا يتولد من التغني بالماضي، وإنما من فهمه فهماً نقدياً يربط بين السبب والنتيجة، وبين الفكرة ومآلاتها، وبين القرار وآثاره. فالتاريخ ليس للتفاخر، وإنما للاعتبار، وليس لإشباع العاطفة، وإنما لإيقاظ العقل.
ولذلك فإن الأمة التي تقرأ تاريخها بعينين تمتلك فرصة النهوض؛ عينٍ تُبصر مواطن القوة فتستلهمها، وعينٍ تُحدّق في مواطن الضعف فتتجاوزها. أما الاكتفاء بعين التمجيد فإنه يُنتج وعياً مشلولاً، كما أن الاكتفاء بعين جلد الذات يُورث اليأس. والحكمة كل الحكمة أن يجتمع الفخر الصادق مع النقد الصادق، ليكون الماضي جسراً نحو المستقبل، لا سجناً يُقيّد الحاضر.
إن المستقبل لا يصنعه الذين يعبدون التاريخ، ولا الذين يلعنونه، بل الذين يفهمونه. فالأمم الحية لا تحمل ماضيها فوق ظهورها، وإنما تحمله في عقولها، وتستخرج منه القوانين والدروس والعبر. وإذا أردنا أن نستعيد مكانتنا بين الأمم، فعلينا أن نتحلّى بالشجاعة الفكرية التي تجعل الحقيقة فوق العاطفة، والوعي فوق الأسطورة، والنقد فوق التقديس.
وحين نبلغ هذه المرتبة من الصدق مع الذات، يصبح التاريخ معلماً لا معبوداً، ومرشداً لا سجناً، ومصباحاً يضيء الطريق إلى الغد، لا ستاراً يحجب عنا رؤية المستقبل. وعندئذ فقط، نكون قد بدأنا القراءة الصحيحة لتاريخنا… قراءةً بعينين مفتوحتين على الحقيقة، لا بعينٍ واحدةٍ أسيرة الهوى.