“ما التسامح؟ إنه النتيجة المنطقية للإنسانية.” هكذا كتب فولتير، واضعًا إصبعه على جرحٍ عميقٍ في طبيعة الإنسان، جرحٍ يرشح بالخطأ، بالضعف، وبالقصور الوجودي الذي لا ينجو منه أحد.
لكن، في عالمٍ امتلأ بالخراب والدم، وسالت فيه دماء الأبرياء تحت رايات عقائد أو شعارات براقة، يبقى السؤال الأكثر إيلامًا: هل يُمكن أن نُسامح دائمًا؟ وهل التسامح واجبٌ أخلاقي حتى مع القتلة وسفاكي الدماء؟
التسامح كفضيلة إنسانية،
التسامح، في جوهره، ليس مجرّد تنازل عن الحق، بل هو اعترافٌ بشرط الإنسان ككائن قابل للخطأ، ومفتوح على المراجعة والتجاوز.
هو تعبير عن القوة الأخلاقية، لا عن الضعف، لأنه يتطلب من الإنسان أن يتجاوز ذاته المجروحة، وأن يرتقي فوق جراحه وغرائزه ومطالبه الانتقامية.
وقد رأى الفلاسفة من أمثال جون لوك وإيمانويل كانط أن التسامح هو ضرورة عقلانية تحفظ المجتمع من التفتت، لأن الاختلاف هو الأصل، وليس الشذوذ. والعيش مع الآخر لا يكون إلا بإقرار الحق في التمايز، ضمن عقد إنساني يتأسس على الكرامة لا القمع.
لكن… ماذا عن أولئك الذين يُلغون إنسانية الآخر؟
الذين لا يختلفون، بل يفتكون؟
الذين **يتدثرون بثوب “حقوق الإنسان” فيما يرتكبون مجازر جماعية باسم “الحرية”، و”الديمقراطية”، و”العدالة”؟
بين التسامح والمحاسبة: حدود العفو وعدالة الأرض.
إنّ العفو في المطلق خيانةٌ للعدالة إذا ما تمّ على حساب الضحايا.
فالتسامح، وإن كان فضيلة، لا يمكن أن يُمارَس خارج شرطه الأخلاقي العادل. إذ أن العدالة هي الوجه الآخر للتسامح، وليست نقيضه.
فالصفح لا يعني النسيان، والتجاوز لا يعني إلغاء الحساب. وفيما يمكن التسامح عن الجهل، أو الضعف البشري، فإن التسامح مع من اختار عن وعيٍ وسبق إصرار أن يفتك، أن يُقصي، أن يُبيد، أن يغدر… هو نوع من التطبيع مع الجريمة.
ولذلك قال بول ريكور في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان:
“إن الصفح لا يبرّئ الجريمة، بل يُنجزها في مقامٍ أعلى، مقام الاعتراف بالحقيقة أولًا، وتحقيق العدالة تاليًا.”.
حملة الرايات السود: هل يُسامَح الذئب؟
هؤلاء الذين يتلفّعون بالسواد، ويرفعون رايات سوداء تنطق بالموت، وتنحر باسم الله والسماء، لا يطلبون مجرد الاختلاف، بل يريدون محواً شاملاً للآخر، وإبادة لمعنى الإنسان.
كيف نُسامح من ذبح الأبرياء باسم الدين؟
من فجّر الكنائس، وحرّق المساجد، ودكّ المدن، وأعلن الولاء لله ثم قتل باسمه؟
كيف نُسامح من أهان المعنى كله: المعنى الإلهي، والمعنى الإنساني، والمعنى الأخلاقي؟
إنّ التسامح هنا، إذا لم يسبقه اعتراف، ومحاسبة، وندم، وجبر للضرر، يصبح جريمة إضافية ضد من ماتوا دون ذنب.
المجرمون باسم الإنسانية: القناع الزائف
ربما الأكثر فتكًا من أولئك الذين يقتلون باسم الأيديولوجيا الصريحة، هم أولئك الذين يتزيّنون بشعارات الحرية وحقوق الإنسان، فيما يمارسون أبشع صور التدمير والهيمنة الثقافية والسياسية.
إنهم ينشرون الديمقراطية بالقنابل، ويُصدّرون حقوق الإنسان عبر فوهات البنادق، ويقصفون باسم العدالة مدنًا لا ذنب لها سوى أنها وُلدت في الجغرافيا الخطأ.
كيف نُسامح هذه الازدواجية المقيتة؟
كيف نُبرّر الدم إذا صُبغ بالعلمانية، أو البراغماتية السياسية؟
هل نُسامح القاتل لأنه يحمل جواز سفر غربيًا ويتحدث عن “الاستقرار” و”إعادة الإعمار”؟!
إنّ هؤلاء، أخطر من القتلة الصرحاء. لأنهم يُفسدون جوهر القيم، ويحوّلون المبادئ إلى أدوات في لعبة المصالح، وهم بذلك لا يقتلون الإنسان فقط، بل يقتلون الفكرة.
بين التسامح والنسيان: الذاكرة كحق.
الفرق بين التسامح والانمحاء، هو أن التسامح لا يُلغي الذاكرة، بل يُصالح معها عبر الاعتراف والتأمل، أما النسيان القسري فهو اغتيال للحقائق.
نُسامح، نعم، لكن لا ننسى.
نفتح باب الرحمة، ولكن لا نُطفئ جذوة العدالة.
إنّ من واجبنا أن نُربي الأجيال على قيم التسامح دون الوقوع في الغفلة الأخلاقية.
فمن لم يتعلّم أن يسامح، يعيش مرارة الحقد،
لكن من سامح بلا تمييز، يُسهم في تكرار الجريمة.
خاتمة:
التسامح ليس خيانة للعدالة نعم، نحن بشر، نُخطئ ونَضعف، لكن التسامح لا يكون جسرًا يُعبر عليه الوحوش وهم يبتسمون.
لا يُسامَح من لم يعترف، ولا يُعفى من أصرّ على القتل والتدمير.
فليغفر الإنسانُ للإنسان، لا للذئب في ثياب البشر.
وليكن التسامح قانونًا للضعف البشري، لا غطاءً لجرائم التاريخ.





