السياسي -متابعات
تراجعت الدراما التاريخية عن واجهة المنافسة في المواسم الرمضانية خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت واحدة من أبرز الأعمال التي تستقطب الجمهور العربي، وسط تساؤلات بشأن أسباب غيابها عن الشاشة، رغم ما يزخر به التاريخ المصري من شخصيات وأحداث يمكن تحويلها إلى أعمال درامية جماهيرية.
ويفتح هذا الغياب الباب أمام تفسيرات متباينة، بين من يربطه بارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تنفيذ الأعمال التاريخية، ومن يرى أن الأزمة تتجاوز الميزانيات إلى غياب الرغبة في تقديم موضوعات جديدة، وضعف النصوص، وتكرار الأسماء والتجارب الفنية.
تكاليف الإنتاج تعرقل العودة
يرى الناقد الفني رامي المتولي أن التكلفة المرتفعة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه إنتاج الدراما التاريخية، نظرًا إلى طبيعة هذه الأعمال التي تتطلب تجهيزات خاصة، تشمل الملابس، والديكورات، ومواقع التصوير، فضلًا عن الاستعانة بباحثين ومتخصصين لضمان دقة التفاصيل المرتبطة بالفترات الزمنية المختلفة.
وأوضح المتولي، في تصريحات لـ”إرم نيوز”، أن التحديات تتضاعف عندما تتناول الأعمال أحداثًا عسكرية أو معارك تاريخية، إذ تحتاج إلى إمكانات إنتاجية أكبر، وتدريبات خاصة للممثلين، وتجهيزات تتناسب مع طبيعة المشاهد.
وأشار إلى أن تقديم الشخصيات التاريخية يتطلب أيضًا امتلاك الممثلين مهارات فنية ولغوية، من بينها إتقان العربية الفصحى أو بعض اللغات الأجنبية، إلى جانب القدرة على تجسيد أنماط الحياة، وأساليب الحديث والسلوك في العصور المختلفة.
واعتبر أن توافر هذه المقومات لدى الجيل الجديد من الفنانين بات أكثر صعوبة مقارنة بأجيال سابقة قدمت تجارب بارزة، مستشهدًا بأسماء مثل: نور الشريف، ومحمود ياسين، وسوسن بدر.
النص الجيد أساس النجاح
وشدد المتولي على أن ضخامة الإنتاج لا تكفي وحدها لصناعة عمل تاريخي ناجح، مؤكدًا أن النص الدرامي يمثل العنصر الأهم في تحويل الوقائع والأحداث التاريخية إلى حكايات قادرة على جذب المشاهدين.
ولفت إلى أهمية وجود كتاب يمتلكون القدرة على الجمع بين الدقة التاريخية والتشويق الدرامي، على غرار تجارب: محفوظ عبد الرحمن، وعبد السلام أمين، ووحيد حامد، الذين قدموا أعمالًا ارتبطت بذاكرة الجمهور.
أزمة اختيارات أم غياب إرادة؟
في المقابل، يختلف الناقد الفني خالد محمود مع التفسيرات التي تضع ارتفاع التكاليف في مقدمة أسباب تراجع الدراما التاريخية، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في العزوف عن تقديم أعمال تستعيد تاريخ مصر وشخصياتها المؤثرة.
وانتقد محمود استمرار الاعتماد على الموضوعات والأسماء نفسها، مشيرًا إلى أن إتاحة الفرصة أمام مواهب جديدة من الكتاب وصناع الدراما قد تسهم في تقديم رؤى مختلفة، وإعادة التنوع إلى الأعمال المعروضة.
كما حذّر من تأثير ما وصفه بـ”الشللية” في اختيارات بعض المشاريع الفنية، معتبرًا أن تكرار التجارب والرهان على الأسماء المعتادة قد يؤديان إلى إنتاج أعمال تفتقر إلى التجديد ولا تحقق النجاح الجماهيري المتوقع.
هل تغيرت ذائقة الجمهور؟
ومع اتساع انتشار المنصات الرقمية، وتزايد الإقبال على المحتوى القصير، تواجه الدراما التلفزيونية عمومًا تحديات جديدة تتعلق بسرعة الإيقاع، وطبيعة السرد، وقدرة الأعمال على الاحتفاظ باهتمام المشاهد.
غير أن محمود يرى أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة فقدان الجمهور شغفه بالأعمال التاريخية، بل تستدعي إعادة النظر في طريقة تقديمها، والابتعاد عن الأساليب التقليدية لصالح حكايات أكثر حيوية وتشويقًا.
وبين تحديات الميزانيات، وأزمة النصوص، والاختيارات الفنية، يبقى مستقبل الدراما التاريخية المصرية مرهونًا بقدرة صناعها على تقديم أعمال تجمع بين القيمة التاريخية والجاذبية الجماهيرية، وتعيد لهذا اللون الدرامي مكانته في المنافسة الرمضانية.